عن عقد بلا مشروع ثقافي في العراق

7979789
حيدر قاسم الحجامي*
تتركز مساءلتنا لعقد مضى للان من تجربة ما اصطلح عليه “العراق الديمقراطي” على غياب او عدم وضوح موقف ثقافي محدد يمكن من خلالهِ الاشارة الى مشروع تحمله النخب العاملة على الساحة الثقافية بمختلف توجهاتها ومشاربها.
وهذا يحتم علينا مناقشة لحظات مفصلية في تاريخ البلاد ومتابعة تطورات المشهد الثقافي ومشاريعه التي اطلقت منذ التأسيس الاول للدولة العراقية في 1920 وانبثاق الوعي الوطني بضرورة الخروج من سبات القرون الطويلة التي عاشها العراق.
سنكتفي بالمرور سريعاً على تلك المحطات والاشارة لها دون مراعاة للسياق التاريخي قدر ما هي محاولات استشهاد يتطلبها موضوع البحث، في التأسيس الثقافي ومحطات التطور والتحديث التي شهدها المجتمع العراقي.

لا يمكن انكار جهود ومواقف المثقف العراقي التنويري الذي لم يكتف بالوصف بل ادرك ان استخدام قوتهِ “الناعمة” في التغيير والرفض والاحتجاج والتمرد لها اثر في حركة التحديث. فمع بدايات التحديث النسبي الذي شهده العراق “العثماني” مطلع القرن الماضي واقرار الدستور العثماني عام 1908 وما نتج عن ذلك عن اصلاحات “غير جذرية” في الاوضاع في العراق، الا انها مهدت لإنتاج وعي لدى الطبقات المتعلمة بضرورة التفكير جدياً لإنقاذ البلاد مما هي عليه. واذا كان بعض المؤرخين يشيرون الى ان ظهور الطباعة والصحافة كان له الاثر الكبير في النهضة التي شهدها العراق، فأن وجود نخبة من الشعراء والادباء وحتى بعض رجال الدين المتنورين كان لهم الفضل في التأسيس لبدايات التحديث عبر ما خاضوه من نضالات وما سجلوه من مواقف في قضايا كانت غائبة او محرمة.

لعل أي باحث في التطور الاجتماعي والسياسي الذي شهده العراق مطلع القرن الماضي سيتوقف عند معارك الشاعر جميل الزهاوي ورفيقه معروف الرصافي والجواهري ومحمود الحبوبي والاثري وغيرهم من الشعراء الذين خاضوا في موضوع تحرير المرأة، وشنوا هجوماً واسعاً على العادات والتقاليد البالية وعدوا تحرير المرأة هو الكوة التي يجب ان تفتح في جدار الظلمة والتخلف الذي تعيشه البلاد. ومن يقرأ “كتاب لمحات اجتماعية في تاريخ العراق” للمفكر الاجتماعي علي الوردي سيلحظ أي دور ادتهُ هذه النخبة في تاريخ العراق الثقافي عبر ما كتبه وما طرحتهُ في القنوات الاتصالية المتاحة آنذاك، وسيدرك ان جهود الجيل المؤسس للثقافة الحديثة في البلاد – ان صح التعبير – كانت جبارة وناضجة في التأسيس لمشروع ثقافي اتسم بنزعة التحرر والميل نحو العلم وتسييد منطقه في بلاد تشيع بها مظاهر التخلف منذ قرون طوال.

فيما بعد ذلك ستظهر ملامح اخرى لمشهد ثقافي اكثر تنوعاً واكثر ثراءً بما يطرح وما يناقش من قضايا ذات ابعاد اكبر من نزعات التحرر الاجتماعي الى السياسي منه، عبر نخبة اخرى ظهرت في العقود الثلاثة بعد التأسيس للدولة العراقية، حيث تنوع التوجه الثقافي وصار معبراً عن قضايا اكبر من “الحجاب والسفور” وتحرير المرأة ليمتد الى طرح مشروع التحديث الشامل للمجتمع وتوسيع المشاركة السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية بين طبقات المجتمع وافراده وانكار الظلم الذي تتعرض له شرائح اجتماعية واسعة وانهاء الاستعمار.

خاض المثقف نضالاً مشرفاً في تلك المواقف، فكان للمثقف العراقي مشروعه الذي ينادي به ويطرحهُ عبر مختلف الاساليب التي يستخدمها سواءً اكانت ادبية او غير ذلك. ففي اربعينات القرن الماضي توالت ارهاصات التحديث لتطال الفنون الادبية وفي طليعتها الشعر الذي قاد مجموعة من طلبة معهد المعلمين العالي مشروع تحديثه ليكسروا بذلك نسقاً ظل حاكماً على مدى قرون متواصلة.

كما ان المثقف العراقي كان في طليعة المناضلين في المجال السياسي ضد ما يعد رجعية وافكاراً لا تنسجم مع روح العصر السائر في رحاب الحداثة والتطور. ولربما كان المشروع الثقافي الذي اشتركت فيها القوى الوطنية من قوى اليسار والحركات الليبرالية الوطنية والقومية يشترك في هم التخلص من ربقة الظلم الاجتماعي وانهاء النظام القائم انذاك.

في مراحل لاحقة ظلت الساحة الثقافية تمور بمختلف المشاريع الثقافية التي تتصارع وتتنافس في الشارع عبر تمثلاتها المتعددة. فالباحث سيجد ان اكثر من مشروع ثقافي كان يطرح في الشارع. فالى جانب المشروع الثقافي اليساري كان هناك مشروع اخر يدعو الى الثقافة القومية ويروج لها، فيما بدأت تتشكل ملامح مشروع ثقافي اسلامي آنذاك على يد نخبة من الطلبة والادباء وعلماء الدين.

في مرحلة الدكتاتورية البعثية طرحت هذه السلطة مشروعاً ثقافياً ادلجت من خلالهِ الثقافة والتعليم ونجحت الى حد بعيد من وسم الحياة الثقافية بمتبنياتها الفكرية، وصار المشروع الثقافي البعثي هو الوحيد الذي يتسيد الساحة بقوة السلاح والفرض فيما اختفت ملامح أي مشروع يعارض السلطة او يعمل خارج متنها الحاكم.

ويظل الحديث عن مشروع ثقافي عراقي لما بعد الدكتاتورية يلفه الكثير من الغموض ويعتريه الكثير من الالتباس في ظل التداخل واللاوضوح في موقف المثقف الذي لم يعارض الاحتلال الاميركي للبلاد بشكل واضح كما لم يعارض الدكتاتورية من قبل، ولم يكن له دور في معارضة المشروع الطائفي الذي بدأ ينخر في الجسد الوطني بكل مفاصله حتى طالت لوثة الطائفية مرافق الثقافة والتعليم. ولم يك للمثقف ايضاً أي موقف مما جرى ويجري على الساحة السياسية في ظل طغيان السياسي وتغوله على منطق الدولة، فمسخت هوية الدولة وتلاشى مشروع الوطن، في ظل انبعاث خطير لمنطق الجماعات المتنافسة المتناحرة وتمترس المثقف خلف لافتات ضيقة وحزبوية وطائفية هي ابعد ما تكون عن وظيفته ودوره.

انهى المثقف العراقي عقداً كاملاً دون ان يتفق او على الاقل يشخص موقفاً ينسجم مع طبيعية التحولات الجذرية التي طالت المجتمع وفككت بناه الراسخة، لكنه ظل يحمل احلامه الكبرى في عودة السلطة التي تمنحه مشروعية وجوده وترسم له ملامح حركتهِ. فهو وعلى ما يبدو لا زال لا يدرك ان المشروعية لا تمنح قدر ما تصنع عبر ما تقدمه من منجز وطني، وان زمن رسم الملامح عن طريق المؤسسة السلطوية انتهى، وان المثقف هو من يرسم لمجتمعه طريق تحقيق الاستقلال والتعايش وانجاز المهام التاريخية في الحفاظ على الوطن بمواطنيه وتحقيق حلم الرفاه الاجتماعي الذي هو حق الجميع دون استثناءات على أي اساس وتحت أي ظرف.

Related Posts

LEAVE A COMMENT