المالكي.. مرشح اتفاق الحدود الدنيا بين واشنطن وطهران

53844_us and iranتثير زيارة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي الى طهران والتي بدأت أمس (الأربعاء) الكثير من التعليقات وردود الافعال المتباينة وتتمحور اغلبها حول سعيه للحصول على موافقة السلطة الايرانية التي تقترب بشكل حثيث في علاقاتها مع واشنطن على توليه الحكومة لولاية ثالثة في خضم رفض متزايد وقوي من القوى الشيعية الاخرى وفي مقدمتها التيار الصدري وزعيمه المقرب ايضا من طهران مقتدى الصدر والمجلس الاسلامي الاعلى بزعامة عمار الحكيم.

وتكتسب زيارة المالكي اهمية في توقيتها ومضمونها كونها ترتبط بتطورات داخلية ومتغيرات في التحالفات السياسية ومزاج الرأي العام العراقي المتحفظ ان لم يكن الرافض نسبيا وليس بالمطلق لتيارات الاسلام السياسي التي فشلت في انتزاع البلاد من ازماتها وبناء تجربة ديموقراطية ومستوى من الحياة المعيشية يتناسب مع موارد العراق النفطية الهائلة، بل وحتى اخفاقها المريع في تحقيق حد ادنى من الامن على الرغم من انفاق مليارات الدولارات على المنظومة الامنية والعسكرية.والاهمية الاخرى تتمثل في السياق الخارجي حيث تتبلور تحولات دراماتيكية تهز الستاتيكو القائم وتكشف عن تحالفات جديدة ومتغيرات خارج المنطق السياسي ليست كلها مرتبطة بالصفقة النووية بين ايران والولايات المتحدة اولا والمجتمع الدولي ثانيا وتفاعلات الازمة السورية والتي خرجت عن السيطرة بالكامل.
ولعل اللافت قبل الزيارة تصريح مقتدى الصدر بأن الايرانيين ابلغوه بعدم دعمهم تولي المالكي منصبه لولاية ثالثة، وهو ما يتطابق مع موقف أمريكي كانت سامنتا باور مستشارة الرئيس الأمريكي اوباما التي اصبحت الآن مندوبة بلادها في الامم المتحدة ابلغته لمسؤول خليجي رفيع بأن واشنطن لم تعد تدعم المالكي ولا ترغب في بقائه في الحكم.
وتتوسع دائرة خصوم المالكي ورافضي ولايته الثالثة باستمرار حيث اعلن رئيس المؤتمر الوطني العراقي احمد الجلبي «ان تجديد ولاية المالكي سيؤدي بالاوضاع الى المزيد من التدهور في مجالي الامن والفساد واستمرار التدخلات الخارجية» واضاف «ان الاوضاع الحالية التي تمر بها البلاد على مختلف الاصعدة، صعبة نتيجة سياسات غير سليمة» و «ان ما يدور الآن من محاولات او مطالبات بتجديد ولاية المالكي، من شأنه ان يزيد من صعوبة هذه الاوضاع وتعقيدها».
وفي الواقع ان هذه الزيارة تأتي بعد اسابيع من زيارته الى واشنطن التي اثارت جدلا واسعا وتضاربت حولها التعليقات والانباء والتحليلات، ويرصد مراقبون ان الزيارة تترافق مع متغيرات ميدانية سورية لصالح نظام الاسد، تسبق التفاهمات الروسية – الأمريكية وما نجم عنها من ترتيبات اجتماع جنيف – 2 الذي من المفترض ان يستكمل جنيف -1 الذي احد بنوده تشكيل حكومة انتقالية تتمتع بكافة الصلاحيات ما يعني تجريد رأس النظام من السلطة.
السؤال الاكثر اهمية الآن هو ما اذا كانت السياسة الايرانية في العراق ما قبل الاتفاق النووي، ستكون مختلفة الآن؟ لا احد بمقدوره التكهن بمسارات السياسات الايرانية في المنطقة التي لا يجب ان تبقى على حالها اذا ما كانت ايران ترغب فعلا في احداث تغيير جذري في سياستها على غرار الصين التي انتقلت بالكامل من مسار الى اخر بعد اتفاقها مع ادارة نيكسون بهندسة من وزير الخارجية هنري كيسنجر والتي جعلت من الصين عاملا ايجابيا في السياسة الدولية.
ظلت ايران تتعاطى مع العراق ولبنان وسورية واليمن والبحرين وافغانستان وغيرها من محاور النزاعات المستعصية طيلة السنوات المنصرمة باعتبارها محصلة صراع اقليمي – دولي، اكثر مما هي صراعات محلية، ويرى المحلل العراقي مشرق عباس «ان مستقبل العراق كان مطروحا بقوة في مقتضيات الامن القومي الايراني، ومرتبطا مفصليا بالصراع المتصاعد في منطقة الشرق الاوسط برمتها» ولهذا وعلى هذا الاساس ادارت ايران نفوذها في العراق لتحقيق هدفين «ابعاد الخطر المترتب عن الاحتلال الأمريكي للعراق عن ايران نفسها» و «استخدام العراق كورقة ضغط وكمجال حيوي لادارة صراعها في المنطقة والعالم».
لقد حصل المالكي على ولاية ثانية العام 2010 ليس بنتيجة اتفاق أمريكي – ايراني ضمني كما يرى الكثير من المراقبين، بل برأي محللين آخرين واحدهم مشرق عباس بـ «نتيجة صراع على مستويات متعددة يتجاوز التوازنات العراقية الى الاقليمية والدولية» موضحا انه «اشبه باتفاق على ابقاء الوضع العراقي في الحدود الدنيا المقبولة لشكل الدولة». اذن ما يمكن استخلاصه هو «ان المالكي لم يكن المرشح الأمريكي المفضل كما لم يكن كذلك المفضل ايرانيا، وانما السياسي الذي يمكن ان يحقق الحدود الدنيا من الاتفاق بين الجانبين حينها».يبقى الآن معرفة وفهم ما اذا كانت هذه المعادلة قد تغيرت، الايام والاسابيع المقبلة ستكشف عن ذلك.

Related Posts

LEAVE A COMMENT