السيرة الذاتية لقامن الفييل هو السفري العراقي السابق لدى الواليات املتحدة بني األعوام )2013–2016(، وقبلها شغل منصب سفري العراق لدى اليابان بني االعوام )2010–2013(. قبل تنسمه هذين املنصبني، شغل مناصب عليا، كمدير برامج يف قطاعات تكنولوجيا املعلومات يف العديد من كربيات الرشكات متعددة الجنسيات يف اململكة املتحدة، ولديه خربة أكرث من ثالثة عقود يف العمل املجتمعي والنشاط السيايس بني الجالية العراقية يف اململكة املتحدة. ملخص تدرس هذه الورقة األركان األساسية الثالثة يف املجتمع العراقي )الثقافة، والدين، والدولة(، و تبحث من ميلك السلطة مقابل النفوذ يف هذا االطار. وبعد ذلك تركز بالتفصيل عىل كل من متطلبات تحقيق الوئام املجتمعي داخل العراق و تسأل ما إذا باإلمكان أن يحدث بناء األمة ٍ بنحو سابق أو بالتوازي مع بناء الدولة. وتنتهي الورقة ُ بتسليط الضوء عىل بعض الحلول للم ّيض قدماً. لقمان عبد الرحيم الفيلي 5 المقدمة تعود جذور الرصاع اإلثني الطائفي بني املكونات اإلثنية الدينية املتنافسة إىل ضعف التامسك االجتامعي أو انعدامه بني األركان األساسية التي تدعم عالقة الدولة العراقية مبجتمعها، ومتثل هذه األركان توزع النفوذ بني الدولة والدين والثقافة يف الدولة األمة العراقية، التي تأسست يف بداية العرشينيات من القرن املايض. وكلام كان التوافق أكرب بني هذه األركان، تكون البيئة السياسية واالجتامعية أكرث سلمية. ومن أجل التصدي لتزايد التوتر بني األغلبية واألقليات العراقية، علينا أن نبدأ بإعادة توزيع النفوذ بني هذه األركان الثالثة. فبعد عقود من الدكتاتورية، عىل الدولة العراقية استعادة نفوذها بشكل إيجايب يعود بالنفع عىل مواطنيها. يف هذه الورقة، أؤكد أن االفتقار إىل االنسجام املجتمعي بني األركان األساسية للمجتمع العراقي ميثل العامل الرئيس يف عدم االستقرار. ومن أجل معالجة هذه املشكلة فإنه من الرضوري تحديد القضايا من خالل زيادة التعاون بني املواطنني يف الربامج الوطنية والدينية واالجتامعية املدعومة من الدولة. ويف نهاية املطاف ستؤدي هذه الربامج الوطنية إىل مزيد من االندماج بني األركان الثالثة، وتفيض كذلك إىل عالقة إيجابية مبنية عىل احرتام التعددية الثقافية والدينية والسياسية وعىل التسامح. إن التسامح يف العراق داخل الجامعات وبينها وبني الجامعات الفرعية ضعيف؛ وبالتايل فإن وترية تطور الجامعة ضمن املجتمع بطيء. فمنذ عام ٢٠٠٣ والدولة العراقية عاجزة عن تقديم أجوبة عىل الكثري من احتياجات املواطنني، وهذا يؤدي إىل هشاشة الهوية الوطنية، التي كانت ضعيفة باألساس بفعل سياسات النظام السابق، وظهور الهويات األخرى عىل حساب التنمية الوطنية والتامسك واالستقرار. مل يكن تطور الدولة أمراً سهالً، وال يبدو أنها عىل الطريق الصحيح طاملا استند جوهر سلطتها السياسية ورشعيتها ونظامها إىل أسس إثنية عرقية )ما يعرف يف العراق باملحاصصة( بدال من أساس عابر للقومية. فالدولة حاليا هي أضعف مكون مؤسيس يف املجتمع العراقي باملقارنة مع املؤسسات األخرى الدينية والثقافية )مثل 1 العشائرية(؛ من هنا أهمية أن يحاول أصحاب املصلحة العراقيون جعل املؤسسات الدينية والثقافية تعمل مع الدولة من أجل تعزيز قوة جهاز الدولة وبالتايل سالمة وتطور املجتمع. ركن الدولة َّ من أجل أن تعمل الدولة بفاعلية وكفاءة البد من تحديد دور املواطنني ومسؤوليتهم واألركان املؤسسية الثالث. عندما تحاول الدولة اتخاذ إجراء، فإنه من الرضوري أن تأخذ بالحسبان قوة ومصادر نفوذ تلك األركان ضمن ذلك البلد. ويف الوقت الذي يتطلع املواطنون يف البلدان الغربية إىل الدولة لتوفري احتياجاتهم، تحجب األركان األخرى )الدين والثقافة( يف بعض البلدان ّ سلطة الدولة بحيث يتحو ً ل فيها القانون الديني إىل قانون وطني أو محيل. من املهم ايضآ تحديد من هم أصحاب النفوذ الذين ميتلكون السلطة والقوة يف املجتمع؛ ألنه من دون قوة كبرية ميكن لبعض األركان أن متلك النفوذ ولكنها ال متلك القدرة عىل فرض سياساتها. وبالنظر للطبيعة التطورية واالنعكاسية لإلنسانية وللتغُّيات العاملية الجارية يف املجاالت الجيوسياسية والجيو إجتامعية، ميكن لألفكار الجديدة أن تفيض إىل لغات وطوائف وحكومات ودول وثقافات فرعية جديدة ومدارس مختلفة من األفكار. يف بعض الحاالت ميكن أن يؤدي تصور كيان جديد ثم منوه )مثل دين او حركة عاملية أو كتاب مقدس( داخل أحد األركان األساسية، إىل تحوله عرب أركان أخرى ومن ثم دمجها يف نسيج املجتمع. متثل هذه الورقة عن اهتامم الباحث يف األنرثوبولوجيا ودراسته املستقلة، باالضافة اىل مامرسته العملية، يف مجتمعات مختلف مثل البلدان الغربية والرشق أوسطية ورشق آسيا وثقافاتهم. 6 الوئام االجتماعي: منظور عراقي إذا كان من الواضح ضمن مجتمع ما أن الدين أو الثقافة هام القوتان الرئيسيتان الدافعتان للسلوك، فلن تكون محاولة تطبيق التغيري وفرضه من خالل قوانني الدولة ولوائحها كافية أو فعالة، خاصة إذا كانت هذه اللوائح والقوانني ال تتامىش مع القيم الثقافية أو الدينية لذلك املجتمع. إلّ أن الدولة ميكن أن تكسب برتكيز اهتاممها عىل التأثري يف املؤسسات الدينية أو الثقافية من أجل تطبيق التغّي املقرتح والقبول به بدالً من محاولتها أن تكون املؤسسة الوحيدة يف املجتمع التي تدعو إىل التغيري. تقدم الدولة الركن األسايس واألكرث أهمية لسري العمل الداخيل للمجتمع، وهي تحدد املبادئ التوجيهية ملواطنيها ومؤسساتها وتضع خارطة الطريق لتوضيح السلوك القانوين املقبول. إن قوانني الدولة هي آليات لتحديد سياسة الدولة ومن ثم الوسائل التي يتم من خاللها فرض تلك السياسة. وتعتمد رشعية الدولة عىل ما إذا كانت السلطة يف الدولة متجذرة يف النظام القانوين الرسمي أم يف األنظمة التقليدية ما قبل الحداثة التي تعتمد عىل العالقات الشخصية واملعتقدات الناشئة من التقاليد )كام هو الحال يف األنظمة القبلية(. ال بد للدولة أن تعكس مثل ومعتقدات مواطنيها، وأن تتوىل رفاهيتهم. ال ميكن التقليل من أهمية الدولة يف تعزيز االنسجام االجتامعي. فاالنسجام يتحقق فقط يف حال كانت ترشيعات الدولة وسياساتها تتعلق بتلبية احتياجات املواطنني وتطلعاتهم، وبخالف ذلك فإن املواطنني سيشعرون باالغرتاب وسيكونون أقل رغبة ّان حكم صدام حسني تتعلق يف االلتزام بالقوانني. عىل سبيل املثال كانت األغلبية العظمى من القوانني واللوائح يف العراق إب ّق باحتياجاتهم اليومية وتطلعاتهم َ املواطنون أن تلك القوانني واللوائح تتعل بسيطرته وبقواعد الدولة البوليسية، لذا مل ير ّ الحياتية، وكانت مشاركة الجمهور قليلة يف تطور املجتمع العراقي. تاريخ نظام الدولة العراقية الحديثة قبل تشكيل الدولة العراقية الجديدة يف العام ١٩٢٠، كان العراق جزءاً من اإلمرباطورية العثامنية التي تحكم الواليات الثالث بغداد واملوصل والبرصة. ومع غزو العراق واحتالله من قبل اإلمرباطورية الربيطانية منذ الحرب العاملية األوىل، فُرض االنتداب الربيطاين منذ عام ١٩٢١ حتى العام ١٩٣٢. وقد حكمت العراق منذ العام ١٩٢١ حتى العام ١٩٥٨ امللكية الهاشمية الذين مل يكونوا أصالً من العراق بل تم تقدميهم كحكام من قبل املحتل الربيطاين الجديد. ويف العام ١٩٥٨ قام ضباط الجيش بانقالب عسكري متخض عنه تشكيل أول جمهورية للعراق، ويف العام ١٩٦٣ قام حزب البعث بانقالب عسكري ضد الزعيم الجمهوري الجديد وهذا االنقالب مل يستغرق سوى بضعة أشهر. ومنذ أواخر العام ١٩٦٣ وحتى العام ١٩٦٨ تواىل اثنان من ضباط الجيش – األخوان عارف – عىل حكم العراق. من العام ١٩٦٨ حتى العام ٢٠٠٣ عاد حزب البعث للسلطة ليحكم العراق بقبضة من حديد وقد حولت خمسة وثالثني عاماً من حكم أحمد حسن البكر ثم صدام حسني العراق كله إىل »جمهورية الخوف«. السلطة عوامل مساهمة الدولة الديموغرافيا الدين الثقافة الموارد اللغة التاريخ الاقتصاد ايديولوجية الجغرافية البيئة التعليم التكنولوجيا الصراعات الطبقات الاجتماعية رسم 1. مصادر النفوذ والسلطة لقمان عبد الرحيم الفيلي 7 مر العراق خالل فرتة الحكم هذه بسلسلة من الرصاعات مع األكراد يف شامل البلد، والحرب مع إيران منذ العام .١٩٨إىل ١٩٨8 تبعها غزو الجارة الكويت يف العام ١٩٩٠، وفرض قرارات مجلس األمن الدويل القاسية فضالً عن حصار اقتصادي وفرض عقوبات تجارية ضد الدولة والشعب العراقي. وخالل التسعني سنة هذه وأكرث، حكمت العراق الجديد أنظمة سياسية مختلفة ومعظمها بالقوة. وقد عاىن العراقيون أيضا من الكثري من حمالت الهندسة االجتامعية التي تجسد الرغبات االستبدادية املتزايدة للحكام املختلفني. وكان لهذه الحمالت تأثري كبري عىل الطبقات االجتامعية العراقية، فضالً عن النفوذ السيايس واالقتصادي املرتبط بها. ومنذ تغيري النظام يف العام ٢٠٠٣ واجه العراق الحوادث اإلرهابية اليومية التي بلغت ذروتها يف حزيران/يونيو عام ٢٠١٤ باحتالل داعش – الدولة اإلسالمية – ملناطق كبرية من البالد. وأصبح النظام السيايس الحايل ما بعد ٢٠٠٣ نظاماً جمهورياً نيابياً اتحادياً ذا تعددية حزبية برملانية ودميقراطية، وميارس السلطات التنفيذية اآلن رئيس الوزراء كرئيس ملجلس الوزراء مع الرئيس الرسمي للدولة وتخول السلطة الترشيعية والرقابية ملجلس النواب. ً واحداً وثالثة انتخابات يف بعد عقود من الدكتاتورية أجرى العراقيون وبنجاح منذ عام ٢٠٠٣ أربعة انتخابات عامة، واستفتاء املحافظات يف أنحاء البالد. إلَّ أن الوضع الراهن يتسم بعدم التجانس وبطء صنع القرار. وعىل الرغم من ذلك، تلتزم أغلبية الجامعات السياسية باإلجراءات الدستورية مام يساعد يف نزع فتيل التوترات السياسية والتوصل إىل قرارات بناءة حول القضايا الحيوية بعد تأخريات طويلة. وباتت املشاحنات السياسية مظهراً من مظاهر الدميقراطية الجديدة للبالد ترافقها عملية بطيئة جدا يف صنع القرار. وقد وصف بعضهم النظام الحايل يف العراق بأنه نظام هجني بني دميقراطية فاسدة واالنتقال من االستبداد. الدين والتنوع العراقي يتجل ّ الدين يف العراق يف أمناط الحياة واملذاهب والطوائف والرموز والطقوس والتقاليد، مع النظر للدين باعتباره ما يعطي الحياة معناها ويفرس أصلها وهدفها. وميكن أن يعترب الدين أيضا النظام املوجه الذي يساعد يف تفسري الواقع وتحديد الذات البرشية. وميكن أن تكون مامرسات أتباع دين ما مختلفة يف العمق وااللتزام بقواعده. ُ ُّعد نفسه دينياً أم ال، فإن دور وتأثري مؤسساته الدينية/األخالقية عادة ما يكون مهّمً، نظراً وبغض النظر عام إذا كان املجتمع ي إىل أن املجتمعات ككل تسعى إىل االمتثال إىل مدارس دينية أو أخالقية معينة. وال ينبغي التقليل من أهمية التزام املجتمعات أو أفرادها مبدارس فكرية أو دينية معينة كون تلك التصورات تصبح موادا لإلميان ومحوراً رئيساً يف تعريف الهوية الوطنية أو اإلقليمية. وعىل الرغم من أن الدين – بوصفه عنرصاً جوهريا وركناً محورياً يف املجتمعات كافة – ميكن أن يؤدي دوراً محورياً يف تعزيز االنسجام االجتامعي، إلَّ أن ذلك ال ميكن أن يتحقق إلّ إذا عملت املؤسسات الدينية والفتاوى والسياسات عىل تلبية االحتياجات الفردية والجامعية ألتباعها وتطلعاتهم. إن الديانة الرئيسة يف العراق هي اإلسالم التي ميثل أتباعها نسبة ٩5–٩7% من تعداد سكان يبلغ ٣٥ مليوناً أو نحو ذلك، وما تبقى من السكان هم من املسيحيني والصابئة واأليزيديني واألقليات األخرى. ضمن اإلسالم األغلبية هم الشيعة )عرب وأكراد فيليون وتركامن( والسنة )عرب وأكراد وتركامن(. إن العراق هو موطن لكثري من املواقع الدينية املهمة للشيعة والسنة، مثل النجف وكربالء وبغداد وسامراء والعديد من املواقع املهمة لألقليات يف الشامل والسيام يف محافظة املوصل. السنة ميثلون األغلبية يف اإلسالم ولكنهم أقلية يف العراق. والشيعة هم أغلبية يف العراق ولكنهم أقلية يف اإلسالم. األكراد هم باألساس من ّ السنة ومن املدرسة الشافعية للرشيعة اإلسالمية. وتوجد يف العراق طوائف أخرى صغرية ضمن اإلسالم كمكون الشيخية الشيعية يف البرصة وكربالء. يتبع أغلب الشيعة مختلف آيات الله العظمى الذي يتمركزون يف النجف وبغداد وكربالء وقم 8 الوئام االجتماعي: منظور عراقي ّ )إيران( ومشهد )إيران( وسامراء، وهذا التنوع يف مصادر الدين داخل العراق واإلسالم والشيعة يرثي النقاشات، إلَّ أنه يجعل ً اإلجامع عىل السياسات سمة رضورية أساسية للتامسك االجتامعي. ٍ جاءت املسيحية إىل العراق يف القرن األول امليالدي، ويرتكز املسيحيون بنحو أسايس يف شامل البالد يف محافظتي دهوك ونينوى. وعىل مدى السنوات الـ٥٠ املاضية كان هناك انخفاض كبري يف حجم األقليات الدينية من خالل الهجرة الطوعية أو القرسية. ويتوزع املسيحيون عىل ثالث كنائس: الكلدان )الكنسية الكلدانية الكاثوليكية(، واآلشوريون )كنيسة املرشق اآلشورية(، والرسيانية الغربية )الكنيسة الرسيانية األرثودوكسية(. كان يف العراق جالية يهودية كبرية والسيام يف العاصمة بغداد حتى منتصف القرن العرشين، وهي اآلن تكاد تكون غري موجودة. يعيش أكرث األيزيديون يف محافظة املوصل يف الشامل، وتاريخ ديانتهم يعود إىل عصور ما قبل اإلسالم. املندائيون كانوا موجودين يف العراق منذ ما يقرب من ألفي سنة، وأكرث تجمعاتهم يف محافظة ميسان يف الجنوب مع وجود عدد مهم منهم يف البرصة. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن هناك أقليات دينية أخرى، مثل البوذيني والبهائيني والشبك والكاكائيني والزرادشتيني. الثقافة بوصفها الركن الثالث السلوك الثقايف هو الركن األسايس الثالث لالنسجام االجتامعي. والذين يتقاسمون ثقافة ما يقومون بذلك ألنها حصلوا عليها من خالل شبكة النفوذ األقرب إليهم مثل األرسة واألصدقاء واملجتمع ككل. يسمح املجتمع املتسامح ملعتقدات أعضائه الثقافية بالتأثري عىل أفعالهم أو مشاعرهم بطريقة إيجابية وبالتايل يغنى بالتنوع. وميكن أن تكون الثقافة الالصق الذي يوثق معا السلوكيات واملعتقدات وطريقة الحياة واألفكار الجوهرية ألفراد املجتمع. وهي توفر نقطة مرجعية تجلب العنارص األساسية وغري املادية لسامت املجتمع مثل األعراف واألفكار والسلوك االجتامعي. واملواطنون عموماً ضمن مجتمع ما يفتخرون باالنتامء إىل ثقافة معينة أو ثقافة ثانوية. خلفية التنوع الثقافي العراقي يعيش ما يقرب من ٧٥ باملئة من سكان العراق يف السهل الرسويب الذي ميتد من الجنوب الرشقي من تكريت إىل الخليج، بينام يف الشامل توجد الجبال ويواجه ظروف شتاء قاسية. ويهيمن عىل حياة البالد نهران كبريان هام دجلة والفرات،اللذين أتاحا للزراعة يف وقت مبكر أن توفر استقرار السكان يف حقبة تعود إىل األلفية السابعة قبل امليالد. اللغتان الرسميتان يف العراق هام العربية والكردية. أغلبية الشعب العراقي من الشباب: 37 باملئة منهم تحت سن الـ١٤، بينام ٦٠ باملئة منهم ترتاوح أعامرهم بني ١٥ و ٦٤، ونسبة 3 باملئة فقط هم أكرب من سن ٦٥ عاماً. نسبة النمو السكاين عالية جداً يف العراق وهي أقل من 3 باملئة ومتوسط العمر ٢٠ عاماً. ّ العراق ميلك أحد أقدم التواريخ الثقافية يف العامل، مع تراث غني يف الفن والعلم والشعر والحضارات القدمية. كان العراق فيام مىض مهد الحضارة يف بالد ما بني النهرين، وهو البلد الوحيد جغرافياً الذي ازدهرت فيه ما يقرب من ست حضارات. تم اكتشاف الرموز الرئيسة للتطور البرشي يف العراق، مثل الكتابة والرياضيات والعلوم. ارتكز االقتصاد العراقي إىل الزراعة؛ األمر الذي يعني وجود عدد كبري من السكان يف الريف، ومع ذلك وبعد الطفرة االقتصادية يف العراق بسبب االنتاج النفطي منذ منتصف القرن املايض، حدثت هجرة كبرية للسكان نحو املراكز الحرضية. وكان لهذا التحرض الرسيع تأثري كبري عىل تطور ّ الطبقة االجتامعية. وما عقد الخريطة االجتامعية للبالد أيضا، هو أن املجموعات العشائرية الكبرية التي تشكل الوحدة االجتامعية األساسية تحمل أهمية أكرب من الهويات اإلثنية والطائفية. واليوم، يعكس املطبخ العراقي ثراء إرثه وكذلك تأثري جريانه من الفرس والرتك والسوريني، وهنا نرى بوضوح أن العراق املعارص يعكس االنقسامات الطبيعية نفسها لبالد ما بني النهرين القدمية. لقمان عبد الرحيم الفيلي 9 االنسجام التوفيقي والقيادة ال ميكن لألركان األساسية الثالثة )الثقافة، والدين، والدولة( يف أي دولة أمة أن تتوافق ضمن مفهوم معني إال عندما تكون القيم واملامرسات لكل ركن متكاملة بدالً من أن تكون متناقضة مع األركان األخرى داخل النسيج الوطني. وحينام تتوافق الزعامات املجتمعية ضمن األركان الثالثة أي عندما يتبنى الزعامء والقادة الخطاب نفسه، عندها ال بد أن يحصل تعزيز االنسجام املجتمعي. وفضالً عن ذلك، سيتعزز االنسجام حينام يشغل قادة املجتمع ركنا أو أكرث، أو حينام ينظر املواطنون إىل قيادة شخص ألكرث من ركن عىل أنه رشعي. وسيحدث يف النهاية االنسجام يف القيادة، عندما ميلك املجتمع القيادة نفسها لجميع األركان الثالث. والعكس ميكن أن يحصل – عىل سبيل املثال – عندما تُ ِدخلُ الدكتاتورية العسكرية سيطرتها عىل الدولة لتفيض إىل تضارب يف املصالح بني سياسات الدولة والقوانني الثقافية والدينية واألعراف التي توحد مواطنيها. آثار نظم الدكتاتورية على الديمقراطية العراقية ضمن نظام الدولة األمة الحايل ميكن أن تكون الدميقراطية عامالً مهامً جداً يف تعزيز االنسجام االجتامعي. فاألنظمة ٌ أكان ذلك »اآلخر« أقلية أم أولئك الذين يحملون وجهات نظر فريدة داخل الدميقراطية للدولة تسمح بقبول »اآلخر« سواء املجتمع األكرب. وهنا »اآلخر« هو الذي ال يحمل املعتقدات – السياسية والثقافية والعقائدية أو األخالقية – التي تعتنقها غالبية املجتمع. وموضوع التسامح الذي تسعى إىل تعزيزه الدميقراطية يقود إىل إيجاد بيئة إيجابية يتعزز فيها الوئام. فمن خالل هذا »التسامح« يتسنى لرشائح معينة من املجتمع بأن تكون أكرث اندماجاً باملجتمع ككل ومن ثم بالدولة، وهذا مهم جدا لدولة مثل العراق ذي التنوع الغني. هذا التنوع يشكل مجموعة فريدة من املوارد البرشية التي ميكن لها، تحت ظروف مؤسساتية وثقافية مناسبة، أن تساهم يف تحسني التنمية االقتصادية واالجتامعية والسياسيةبشكل دراماتييك. مل تكن هذه املجموعات تعيش يف وئام دوماً، لكن هنا عىل الدميقراطية أن تسهم يف تخفيف التوترات. إال أن الدميقراطية وحدها ال ميكن أن تعمل عىل تعزيز الوئام ما مل تدعمها عوامل أخرى تشتمل عىل سيادة القانون وبنى مؤسسية تشجع الحوار بني األركان األساسية الثالثة واملؤسسات املرتبطة بها. حني تصبح الدكتاتورية النظام الطبيعي للحكم، وتعترب الدميوقراطية تهديدا، فإن ذلك يدمر الوئام املجتمعي. وقد قادت األساليب الوحشية للدكتاتورية يف العراق إىل انفصال املواطنني عن الدولة، ومن ثم تجاهلهم مصلحة الدولة ومصلحة أبناء ُّ بلدهم. ويف ظل الحكم االستبدادي، تعد مؤسسات الدولة – التي وجدت لتعود بالنفع عىل املواطنني وأن تكون دعامة مهمة من دعائم االنسجام املجتمعي – حكراً عىل الدكتاتور، من هنا خشية املواطنني من مؤسسات الدولة بوصفها أداة رئيسة للقمع وعدم الوئام. وحينام تتم إزالة أدوات الدكتاتور القمعية، تحدث عمليات االنتقام ضد أولئك الذين كانوا يسيطرون عىل جهاز الدولة. ومن ناحية أخرى، عندما يكون الدكتاتور يف ذروة قوته ويستخدم الدولة ألهدافه الشخصية الضيقة، تضعف املؤسسات الثقافية والدينية عىل حساب الوئام املجتمعي. وميكن للشعب أن يستعيد السلطة والنفوذ حاملا تضعف سلطة الدولة الدكتاتورية، ومن ثم سيسعون إىل التوازن واالنسجام من خالل االعتامد املتزايد عىل املؤسسات الدينية و/أو الثقافية. إن قمع الدكتاتور املستمر، الذي ميتلك عقلية الحكم بالخوف والقيادة وهاجس السيطرة، سيؤدي إىل انهيار املعنويات ّ الثقافية والفكرية للمجتمع، وسيخلق ثقافة عدم الثقة بني املواطنني مدركا أن الثقة عامل مهم للغاية يف متاسك أصحاب املصلحة يف املجتمع. ومع الوقت، سيفصل املواطنون أنفسهم عاطفياً عن مؤسسات الدولة وسينظرون لداخل مكونهم الضيق من أجل البقاء. من هنا، تتعزز األنانية داخل ذلك املجتمع، وموضوع األنانية-الذاتية هذا يفيض إىل معادلة صفرية بدالً من معادلة )رابح–رابح( يف املامرسات التي تسود ضمن أصحاب املصلحة يف املجتمع. 10 الوئام االجتماعي: منظور عراقي اآلن وبعد ١٣ عاماً ملا بعد العام ٢٠٠٣، يحتاج املرء من أجل تقييم هذا املرشوع الدميقراطي الجديد يف العراق، إىل التفكري يف أساسه والتحديات الرئيسة التي تواجهه. ومن وجهة نظر الواليات املتحدة – نظراً لدورها يف تطوير النظام الدميقراطي يف العراق السؤال الوجيه الذي ميكن طرحه هو ما إذا كان ميكن فرض منوذج دميقراطي عمومي عىل املجتمع العراقي؟ ال ميكن تفصيل الدميقراطية، وتجربة العراق يف الدميقراطية ضعيفة جداً، فضالً عن ذلك فهو ليس يف منطقة دميقراطية؛ ولذلك كان يحاول زرع بذور دميقراطية جديدة يف بيئة غري مالمئة. هل األمة مستعدة للمؤسسات الدميقراطية أم ٌ أن هذا ترف محفوظ للدول املتقدمة؟ إن مرد إثارة مثل هذه األسئلة يأيت كون املواطنني ما يزالون يتوقعون نتائج إيجابية من الدميقراطية، مثل: خدمات أفضل، وحكم عادل، وأمن مستقر، ومن ناحية أخرى أصبح العراقيون معتادين عىل الدكتاتوريات التي تكون فيها عملية صنع القرارات واضحة ورصيحة ويف يد عدد قليل، وعادة ال يوجد تحدي أمني يف نظم دكتاتورية نظراً للعقوبات الصارمة، ويف هذا األمر ربط املواطنون خطأ بني األمن واالستقرار االجتامعي. الوئام االجتماعي في العراق ال ميكن للوئام أن يسود يف العراق ما مل يتحقق عدد من العوامل املهمة، وأن يتم تعزيزها واحتضانها من قبل نسبة مهمة من املجتمع عرب األركان األساسية الثالثة. هنا أيضا سيادة القانون أمر بالغ األهمية؛ ويف العراق هناك ثالثة أنظمة قانونية متنافسة أو قواعد قانونية هي: قانون الدولة التقليدي العلامين، وقانون ديني منافس )الرشيعة(، والقانون القبيل )الفصل(. وقد منا هذان القانونان األخريان لألنظمة الدينية والثقافية )الرشيعة والفصل( بفعل ضعف تنفيذ قوانني الدولة عىل مدى ٍ عقود، وإعطاء األسبقية بنحو متزايد لألساليب التقليدية. وهذا مثال عىل التنافر القائم بني األركان األساسية الثالثة للمجتمع. من الناحية النظرية وعىل أعىل مستوى – هناك النظام القانوين الذي ينص عليه النظام القضايئ للدولة، لكن مع ذلك ال يثق كل عراقي أو يتبع هذا النظام ألن معظم العراقيني لديهم إميان محدود باملؤسسات التي تتوىل فرض قوانني الدولة، وبدال من ذلك فإن املواطنني الذين ال يثقون بقضاء الدولة يرجعون اىل املصادر التقليدية للقانون: القانون القبيل و/أو القانون الديني بدال من قانون الدولة. وهذا ما يفرس كيف انقسم املجتمع العراقي إىل فصائل سياسية واجتامعية مختلفة، بدالً من البقاء موحدين حول النظام القانوين للدولة املركزية. وعىل نحو مامثل وبسبب التأثري السلبي لدكتاتورية صدام حسني عىل املجتمع العراقي، مل يعد املواطنون ينظرون إىل الدولة عىل أنها تنتمي إىل الشعب، بل تنتمي إىل الحاكم والرشكاء املقربني؛ وهذا يعني أنه حينام انهار نظام الدولة يف أعقاب الغزو األمرييك يف العام ٢٠٠٣، تراجعت رشعيتها ومؤسساتها أيضاً. مل تكن استعادة الدولة للرشعية والسلطة أمراً سهالً، ومل يسعفها النقص الخطري يف األمن أو توفري الخدمات من قبل مختلف الحكومات الدميقراطية يف مرحلة ما بعد ٢٠٠٣. الدولة الوئام الاجتماعي الدين الثقافة رسم ٢. الوئام االجتماعي عن طريق تالقي األركان ثالثة لقمان عبد الرحيم الفيلي 11 فضالً عن األنظمة القانونية الثالثة املتنافسة، هناك ثالثة مفاهيم متنافسة للمواطنة ايضاً؛ وبالتايل هناك ثالثة عقود اجتامعية متنافسة بني املواطن ودولته، وعادة تحدد العقود االجتامعية دور كل من الدولة واملجتمع ومسؤولياتهام: ماذا ستقدم الدولة وماذا تتوقع من مواطنيها، والعكس بالعكس. فيام يخص العقد االجتامعي الديني بني الدولة ومواطنيها فإن وجهة النظر مختلفة، إذ ينظر املواطن للدين عىل أنه التزام، ويتوقع أن يكون للمواطن نكران ذات حيال اآلخر ومنها الدولة، أما فيام يخص البعد الثقايف الثالث فهنا يجب أن يأخذ العقد االجتامعي بالحسبان وجهة نظر املجتمع حيال الشخص ومكانته، ووجهة نظر الشخص )مع وضعه االجتامعي( حيال مجتمعه، ونظرة جامعته حيال املجتمع، وأخرياً نظرة الشخص حيال األشخاص اآلخرين يف املجتمع. يف مجال الثقافة يحتاج العقد االجتامعي إىل أن يأخذ بعني الحسبان عدداً من العنارص التي تشكل هذا العقد مثل املحافظة، والطبقة، والوضع االجتامعي، والقرابة، والقبيلة، والوضع املايل، وأخرياً الوضع الخاص للمواطن ضمن املجتمع؛ لذا فالعقد االجتامعي الثقايف هو أشبه بعقد الطبقة أكرث منه أن يكونوا مواطنني ومتساويني. العامل اآلخر الذي عزز التنافر وعدم االنسجام يف العراق هو محاوالت الدولة املختلفة يف هندسة طموحة للمجتمع، واألمثلة عىل ذلك هي الهجرة الجامعية للفالحني إىل املدن والتمدين الرسيع الذي بدأ بعد العام ١٩٤٥، والرتحيل الجامعي للمكونات مثل: العراقيني اليهود يف أواخر األربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن املايض، والتطهري العرقي للفيليني وباقي األكراد يف السبعينيات والثامنينيات، واختفاء املسيحية يف العراق ومكونات األقليات األخرى. رمبا كان هذا أحد أهم العوامل املدمرة لالنسجام يف العراق، وتحجيم الطبقة الوسطى بسبب الحروب والعقوبات االقتصادية والهجرة الجامعية للطبقة الوسطى العراقية منذ مثانينيات القرن املايض وحتى الوقت الحارض. العراق: األمة مقابل الدولة نظراً ملختلف التحوالت السياسية واالجتامعية واالقتصادية التي عاىن منها العراقيون منذ تشكيل الدولة الجديدة يف العام 1920، أصبح العقد االجتامعي بني الدولة ومواطنيها محطام، ورمبا تختلف وجهات نظر املكونات العراقية حول العقد االجتامعي األمر الذي يفيض إىل إحداث رشخ يف العالقات بني املكونات وداخل املكون الواحد أيضاً. وهذا الرشخ يعني أن العالقات بني املكونات قامئة عىل املعامالت أكرث مام هي قامئة عىل االنسجام، ويف الوقت الذي تكون فيه العالقات غري مستقرة، فإن مفهوم واحد للهوية العراقية عىل مستوى البلد ككل مهددة باستمرار. وعىل الرغم من أنه قد تم إدخال الدميقراطية إىل العراق، إل َّ ّ أنها ال تزال ال تستند إىل أرض صلبة ألن املؤسسات الدميقراطية يف املجتمع ليست قوية حتى اآلن. اتخذ مفهوم بناء االمة مركز الصدارة يف مرشوع الواليات املتحدة ملا بعد ٢٠٠٣. لقد كان هذا النهج خاطئاً؛ إذ إن بناء الدولة يجب أن يكون الهدف وليس االمة. والعراقيون الذين عاشوا خالل تغيري النظام وضعوا توقعات عالية جداً لبناء األمة عىل أمل أن تكون النتائج التي تتمخض عنها مامثلة إلعادة بنائها كأملانيا واليابان بعد الحرب العاملية الثانية. إلَّ أن ذلك مل يتكرر يف العراق، إذ مل يكن املحتلون األمريكيون واضحني بشأن املتطلبات واملوارد الالزمة لبناء االمة العراقية. فبناء األمة يجب أن ٌ يكون عىل املدى الطويل، وميكن أن يكون له أثار ٌ سلبية ٍ كبرية عىل املجتمع إذا مل يتم التعامل معه بنحو مالئم، وبالتايل فإن إعادة بناء األمم يجب أن يكون مرشوعاً طويل األمد يتعني فيه بذل جهود متسقة من قبل جميع الجهات املعنية الداخلية والخارجية. فاألطراف الدولية – مبا يف ذلك األمم املتحدة والواليات املتحدة – كانت لهم أهداف طموحة جداً وغري واقعية بالنسبة للعراق، وكان واضحاً أن تخطيط الواليات املتحدة ملرحلة ما بعد الحرب يف العراق مل يكن كامالً، وأعطيت األولوية لألهداف قصرية االمد عىل حساب رؤى طويلة األجل. ومل تفهم جذور أسباب الرصاع بني املكونات وضمن كل مكون واقرتن ذلك مع السذاجة امليدانية ألصحاب املصلحة أو الجهات املعنية يف تنفيذ مشاريع إعادة تطوير الدولة الرئيسة. 12 الوئام االجتماعي: منظور عراقي عالجات بناء العراق من أجل إعادة بناء العراق، عىل قيادة العراق الحكومية والدينية والثقافية أن تقدر حجم الدمار الذي حصل يف نسيج املجتمع، َّ وأن تركز جلَّ اهتاممها صوب إعادة رسم العقد االجتامعي بني الدولة ومواطنيها. وال بد من غرس الشعور الواضح باالنتامء ومواجهة التحديات الرئيسة التي تواجه املجتمع بعيداً عن األنانية والذاتية، ويجب أن تضع القوانني الجديدة واللوائح يف الحسبان أن املواطنني بحاجة ألن يشعروا بالفخر ال العار او الخجل يف سياق تعديل القوانني التي تعود بالنفع لهم و لرفاهيتهم وتنفيذها. وبتدمري اعتزاز الشعب بالدولة يف ظل دكتاتورية صدام حسني، يصبح تعاون القيادة الدينية والثقافية مع الدولة الستعادة الفخر الذايت واالعتزاز يف الدولة الدميقراطية الوليدة أمراً أكرث رضورةً للمجتمع العراقي لتعزيز الوئام االجتامعي. عىل العراق أن يعمل عىل تعزيز سيادة القانون من خالل العمل مع املؤسسات الدينية والثقافية )عشائر أو مجتمع مدين(، ويجب أن يتبني للشعب بأن الدميقراطية واملؤسسات املرتبطة بالدولة ال متثل تهديداً للجوانب الدينية والثقافية للمجتمع، َّ بل ال بد أن تكمل تلك العوامل بعضها البعض. ويجب أن تظهر قيادات األركان الثالثة للمواطنني يف العراق بأن الدميقراطية )ومن ثم نتائجها وفؤائدها الرئيسة يف التسامح( تحظى بالقبول كسبيل لتحقيق احتياجات الناس وتطلعاتهم، يف الوقت الذي تتسامح مع مختلف رشائح مجتمعها. إن القيادة الدينية مؤثرة بني قطاعات العراق كافة؛ لذا فإن التعاون بني القيادات الدينية وقادة الدولة يجب أن يفيض إىل ترسيخ الدميقراطية – وباملثل أيضاً فيام يتعلق بالقيادة الثقافية/االجتامعية. ويف الوقت الذي تستخدم فيه واحدة أو اثنتان من الجامعات الدينية والثقافية الدميقراطية بهذه الطريقة، فإنه يتعني عىل جميع الجامعات الترصف بطريقة مامثلة ويف وقت واحد، وال ينبغي التقليل من شأن هذه املهمة والسيام أن املجتمع العراقي يضم عنارص دينية وثقافية متنوعة ومعقدة محبوكة يف نسيجه. تختلف الدوافع الرئيسة للتغيري من مجتمع آلخر؛ يف بعض املجتمعات يعد الدين الدافع األسايس )كام هو الحال يف الجمهورية اإلسالمية يف إيران، واململكة العربية السعودية( بينام يف حاالت أخرى قد تكون الدوافع للتغيري ثقافية )كليبيا القبلية عىل سبيل املثال( أو الدولة )كالواليات املتحدة، واليابان، أو اململكة املتحدة(. وهذا يعتمد أي ركن يعتربه الشعب القوة الرائدة والعدسة الرئيسة التي ينظرون من خاللها لحياتهم. أما دولة العراق فهي مثلها مثل بناية تاريخية قدمية محمية، وموقع أثري يجب صيانته وبنائه من الداخل، فال ميكن هدمه وإعادة بنائه من جديد. ورضوري ان ال ننىس إن النظام تغّي بني عشية وضحاها يف العام ٢٠٠٣، ومع ذلك ال تزال األسس التي أرساها البعثيون والدكتاتوريات املتالحقة متجذرة، وتم استبدال قسم منها بالقيم واملامرسات الدميقراطية بعد ١٣ عاماً، وقد ثبت أن هذه العملية صعبة أن مل تكن مستحيلة من دون تبني منطلقات الوئام االجتامعي. ومن أجل جعل الوئام يسود يف العراق، ينبغي أن يتم التوافق عىل الجوانب القانونية والدينية والثقافية لعدد كبري من القضايا املهمة مثل: دور الدولة ومواطنيها ومسؤولياتهم، واألنواع املختلفة من الحقوق )مبا يف ذلك حقوق اإلنسان والطفل الخ(، ومراجعة جادة للمناهج الدراسية، ومراجعة جدية للدستور الحايل. ومن دون ذلك التوافق، فإن أعضاء املجتمع سيشعرون َهم ملختلف مراكز القوة والسلطة يف تضارب؛ مام يتسبب مبزيد من التنافر وعدم االنسجام، ويحول دون تقدم دامئاً بأن والء املجتمع. ال ميكن استكامل هذه التوافقات من دون تبني كل األمة لهذه املشاريع واالستفادة من مواردها يف سبيل تنفيذها. ومن ثم هناك حاجة بأن يشعر أصحاب املصلحة أو املعنيون بالحاجة امللحة لتحديد قرارات وتبنيها من أجل اإليفاء بهذه املتطلبات يك يسود الوئام. تكمن القضية الرئيسة األخرى يف حجم التغيريات التي يسعى املجتمع بكامله إىل تحقيقها. فنحن نسمع دامئاً من قبل الجهات املعنية أن الفساد متجذر وبقوة يف الدولة واملجتمع وأن التغيري يجب أن ينفذ عىل املستويات كافة. يرى بعضهم أن التغيري يف ٍ األعىل كاف، فيام يتساءل آخرون عن مدى قدرة الطبقة السياسية عىل التعامل مع هذا الوباء. ومن ناحية أخرى فإن أولئك الذين يحنون أو املقتنعون بأن الدميقراطية ليست مناسبة لألمة العراقية، يدعمون تغيري كامل النظام ويدعون للعودة إىل النظام الرئايس مع وجود برملان شكيل. وهنا فإن االتفاق عىل الرؤية بشأن إطار وخارطة الطريق للتغيري سيكون رشطاً مهّمً للتنمية السياسية واالجتامعية من أجل أن تؤيت مثارها. لقمان عبد الرحيم الفيلي 13 الخاتمة من أجل تعزيز االنسجام االجتامعي، فمن املهم أن ننظر وبدقة إىل جميع األركان األساسية الثالثة للمجتمع، ومن دون فهم قوتها النسبية سيكون من الصعب إجراء إصالحات من دون استفزاز بعض القطاعات املهمة يف هذا املجتمع. ويف ضمن بنية الدولة الحالية فإن حكم القانون والدميقراطية هام رضوريان من أجل تعزيز االنسجام االجتامعي. تأسيس الدولة التي متثل مختلف قطاعات املجتمع، وإذا ما تم تشييدها بعناية، فإنها تحول دون االغرتاب وتعزز التسامح حيال األقليات العرقية بوصفها مصدر قوة للمجتمع. ُجربوا عىل تشكيل مجموعات يف حالة العراق، فقد دفعت عقود من الدكتاتورية الشعب بعيداً عن الدولة لعدم ثقته بها، وأ فرعية دينية وثقافية وقبلية ضيقة تحول دون تحقيق الوئام االجتامعي الحقيقي والهوية الوطنية ضمن اإلطار الحايل للدولة. ومن أجل أن يحقق العراق الوئام االجتامعي ويحسن آفاقه املستقبلية، عىل الدولة استعادة سلطتها كمصدر املؤسسات الدميقراطية يف البالد التي ميكن للمؤسسات الدينية والثقافية كافة املشاركة فيها ويكون صوتها مسموعاً ومحرتماً. لذلك، هناك حاجة ملحة بأن تركز الدولة العراقية عىل بناء الدولة – كرشط مسبق لبناء األمة – بوصفها جوهر املرشوع الوطني. وعىل هذا النحو ينبغي أن يؤدي هذا إىل توحيد الجميع داخل حدود العراق يف مجموعة مشرتكة من األهداف ّ لصالح جميع املواطنني العراقيني. ويف مثل هذه الحاالت فإن فهم روح القانون ونصه وااللتزام بهام هو الهدف األسمى من أجل ترسيع وترية تنمية املجتمع وتحقيق االستقرار السيايس. ميكن أن يتعزز بناء األمة يف حال توافر الخدمات االجتامعية واألمنية ملواطني الدولة، وأن يرتبط املواطنون نفسياً وجسدياً ٍ وبنحو ّ إيجايب مع الدولة. أم ّ ا الوقت فهو عامل مهم أيضاً يف هذه العملية، فإذا أريد لها النجاح يجب إدخال الدميقراطية بشكل بطيء، وأن يتم احتضانها من قبل الشعب بتعاون من قيادات األركان األساسية الثالثة. وإذا حصلت العملية برسعة فإنها ستدفع بالشعب بعيداً عن الدولة وتسبب مزيداً من التنافر. ومبا أن هذه الورقة ركزت أكرث عىل التشخيص العميق ً ألسباب األزمات املستمرة التي تواجه العراق ميكن أن يستخدم إطارها ايضآ لوصف القضايا الكربى التي تواجه منطقة الرشق األوسط، وميكن ملثل هذا اإلطار املطروح يف هذه الورقة أن يساعد يف تفسري ديناميات أسباب وتداعيات مرحلة ما بعد ظاهرة الربيع العريب ٢٠١١. إن تحقيق االنسجام بني قيادات األركان األساسية الثالثة يف العراق ال يسمح فقط للدميقراطية بأن تنضج بوترية متسارعة فحسب، بل يسمح لها أيضاً بأن تكون منارة للوحدة بني التنوع الغني ملواطني العراق. إن وترية التنمية واالستقرار يف العراق ٍّ تعتمد إىل حد كبري أيضاً عىل وترية إعادة بناء طبقته الوسطى والتي من دونها ال ميكن بناء عراق جديد عىل أسس جديدة. ومن أجل أن تستعيد الدولة ثقة مواطنيها، يحتاج املواطنون أن يروا مصالحهم ورفاهيتهم تحتل أهمية قصوى داخل أجهزة الدولة. وبخالف ذلك، فإن انعدام األمن والخدمات األساسية سيؤدي إىل مزيد من اغرتاب املواطنني عن الدولة وعن مؤسساتها. أما من الذي عليه قيادة عملية توفيق املجتمع، فإن الثقافة الحالية ونظام الدولة يدعون إىل الدولة العراقية بدعم من القيادات التقليدية الدينية والسياسية أو العشائرية القبلية. من أجل تطوير هذه املبادرات وقيادتها، وهذه األهداف ليست مهمة صغرية، و الدولة أو األحزاب السياسية الحالية غري مستعدة بعد الللقيام بذلك من تلقاء نفسها، ودعم املؤسستني الدينية والثقافية هو أمر بالغ األهمية من أجل سيادة الوئام يف العراق فضالً عن الدعم املطلوب بقوة من الرشكاء الدوليني. ميكن أن يسود الوئام إذا ركزت الدولة وحسب عىل عدد قليل من األهداف الرئيسة، بحيث تخلق متنفساً للتنمية يف املجتمع. وتتعلق هذه املساحات القليلة باألمن واالستقرار والتنمية االقتصادية وتقديم الدولة خدمات أفضل وأخرياً بيئة اجتامعية إيجابية ال يكون فيها املواطنون مهددين من قبل قوات السلطة والرشعية يف العراق.