في 21 أيلول/سبتمبر الماضي، صرّح رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي “جو دانفورد” إن القوات العراقية ستكون جاهزة بحلول شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل للهجوم على معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل. وأوضح دانفورد في حفل عسكري في واشنطن أن العراقيين سيكونون جاهزين في أوائل أكتوبر/تشرين الأول لبدء العمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل، لكنه أشار إلى أن توقيت بدء هذه العملية مرتبط بقرار سياسي لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي. وبعد لقائه بالعبادي في واشنطن في 20أيلول/سبتمبر الماضي، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن معركة استعادة الموصل من قبضة تنظيم داعش قد تبدأ “سريعا إلى حد ما”، لكنه أقر بأنها ستكون صعبة.

 إذ لم يعد الجدل العراقي هذه الأيام يدور عن كيفية انتزاع محافظة نينوى وعاصمتها الموصل من قبضة تنظيم داعش، لأن الحشود العسكرية تؤكد أن المسألة قد حسمت. فعلى محاورها الأربعة تجاوز عدد تلك القوات المتجمعة أكثر من ثلاثين ألف عسكري مدعومين بوحدات أميركية خاصة للتدخل السريع، بينما تغطي سماء نينوى ثلاثة أسراب لطائرات أميركية وفرنسية وعراقية، غير أن هناك ما يشي بأن المشاكل السياسية، التي ستعقب عملية تحرير الموصل، أكبر من المعركة نفسها، وهو ما بات يطلق عليه “مرحلة ما بعد داعش”. مرحلة تتنازعها مشاريع سياسية مختلفة ومتناقضة، منها التقسيمي ومنها الآخر التفتيتي، وفي هذا السياق يندرج تصويت مجلس النواب العراقي، في 26 أيلول/سبتمبر الماضي، على إبقاء محافظة نينوى موحدة بحسب حدودها التاريخية قبل احتلال عام 2003، ومنع مشاريع تقسيمها. وقال النائب عن المحافظة، أحمد الجربا في مؤتمر صحافي، عقده في مبنى البرلمان، إنّ “البرلمان صوّت خلال جلسة اليوم (أمس) بالأغلبية على قرار إبقاء محافظة نينوى على حدودها الإدارية قبل عام 2003، كمحافظة عراقيّة محميّة، ولا يمكن إجراء أي تغيير بوضعها القانوني والإداري”، جازماً بأنّ “القرار يعدّ ملزماً للجميع، ولا يمكن لأي جهة أن تتجاوزه، وتسعى لتنفيذ مشاريع التقسيم في المحافظة”. وأشار الجربا الى أنّ “القرار يخوّل أهالي المحافظة تحديد مصير محافظتهم بعد تحريرها”.

ودون استعدادات أفضل لليوم التالي، يمكن لمعركة الموصل أن تثير عدة حروب في حرب واحدة، وأن تتسبب في دمار كبير للموصل. وتعقّد مثل هذه التطورات الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار في العراق، الذي شابه إعادة الإعمار وقد تكون غير موجودة في البلدات السنية المحررة المدمرة، وعودة الحد الأدنى من المشردين داخليا، والخوف من الانتهاكات التي ترتكبها المليشيات الشيعية، وتشير هذه العوامل إلى استمرار، وربما تفاقم التوترات الطائفية، مع فرص عودة داعش أو خلفائها. وعلى الرغم من أنه  من المرجح أن تنجح  المعركة في انتزاع استعادة السيطرة على الموصل، فإنه يمكن أن تتحول المنافسات المحلية والإقليمية إلى نجاح تكتيكي سريع في نكسة استراتيجية.

تعد محافظة نينوى وعاصمتها الموصل ثاني أكبر مدينة في العراق من حيث السكان، البالغ عددهم نحو خمسة ملايين نسمة، تتركز غالبيتهم في مدينة الموصل. تقع معظم مدن نينوى على نهر دجلة الذي يدخل المحافظة من الجارة تركيا. تبعد المحافظة عن بغداد 500 كيلومتر. تعتبر من أقدم مدن بلاد الرافدين، إذ كانت نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية، تمّ بناؤها في بداية 6000 ق.م. أصبحت في ما بعد مركزاً دينياً هاماً لعبادة الإله عشتار، وسميت نينوى نسبة إلى مؤسسها الملك الآشوري، نينوس.

تبلغ مساحة المحافظة 32 ألفاً و308 كيلومترات مربعة، وأبرز مدنها الموصل، والبعاج، والشورة، والحضر، وربيعة، والقيارة، والقحطانية، والقيروان، وحمام العليل، وتلعفر، وتلكيف، وبرطلة، وسنجار، وقرة قوش، وزمار، والشيخان، وكرمليس، والقوش، وباعذرة، وتل عزير، وبعشيقة، والمحلبية. تضم المحافظة قبور عدد من الأنبياء التي فجرها “داعش” بعد دخوله، أبرزهم النبي يونس، والنبي شيت، والنبي جرجس، فضلاً عن أقدم الكنائس في العالم، مثل كنائس مريم العذراء، وسيدة النجاة، والأرمن، والكاثوليك، ودير ما كوركيس، وغيرها الكثير دمرها التنظيم بشكل كامل. وتقطن المحافظة أغلبية عربية بنسبة 80 في المائة، موزّعين بين ديانات عدة، أبرزها الإسلامية، والمسيحية، والآشورية، إضافة إلى القوميتين الكردية والتركية، وأقليات دينية مثل، الصابئية، والإيزيدية، الزرادشتية، والكاكائية، والآشورية، والشبك، مما دفع مراقبين إلى التعبير عن مخاوفهم من أن يؤدي ذلك إلى صراع جديد في البلاد في مرحلة عراق ما بعد داعش.

فمثلما كان سيطرة تنظيم داعش للموصل في حزيران/يونيو 2014 نقطة تحول في تاريخ الإرهاب ومسار الحرب عليه، قد يكون تحرير هذه المدينة العريقة منه نقطة تحول أيضاً، ولكن بشأن مستقبل العراق، ولكي يكون هذا التحول باتجاه وضع أفضل، ينبغي التوصل إلى تفاهمات واضحة بين المكونات الأساسية للحالة العراقية الراهنة حول اليوم التالي لهزيمة «داعش».

لا تتفق الأطراف الأساسية المعبرة عن هذه المكونات إلا على مواجهة «داعش»، وتختلف على كل شيء بعد ذلك تقريباً، ومن هنا أهمية التفاهم الجاد على كيفية إدارة الموصل عقب تحريرها، والضمانات اللازمة لحماية أهلها من أي عمليات انتقام قد تمارسها فصائل «الحشد الشعبي» الأكثر تعصباً. ولا يقل أهمية عن ذلك حسم الخلاف بشأن الترتيبات الإدارية في شمال العراق بعد تحرير الموصل.

فعلى المستوى الداخلي العراقي هناك ثلاثة مشاريع طرحها زعماء الكتل السياسية الرئيسية في البلاد، لكن لا يوجد من بينها مشروع مرجح حتى الآن على الرغم من دعم النظام الايراني أحد المشاريع، والإدارة الأمريكية مشروعاً آخر. فإن المشاريع الثلاثة هي مشروع سني، وآخر كردي، وثالث تتبناه حكومة حيدر العبادي والحشد الشعبي وهو بطبيعة الحال المشروع الشيعي. ويشير إلى أن المشروع الأول، “مشروع القوى السنية” يقضي بتحويل نينوى الى إقليم مستقل يضم محافظات عدة بداخله للحفاظ على كيان نينوى وضمان عدم تشظيها تحت لافتات وقوى متصارعة على أسس قومية وإثنية. ويشمل الإقليم محافظات عدة بعد تحويل قضاء تلعفر، وقضاء مخمور، وسهل نينوى، وسنجار والحضر إلى محافظات، فيما تتحول الموصل الى محافظة وتكون هي عاصمة الإقليم”.

أما المشروع الثاني (الكردي) وهو قريب من المشروع المطروح من قبل القوى السنية، ويقضي بتحويل نينوى إلى محافظات عدة ثم حسم المادة 140 من الدستور، التي تقضي بحسم المناطق المتنازع عليها وتحديد سكان المناطق الحدودية مع إقليم كردستان العراق في حال قرروا البقاء في نينوى أو الالتحاق بالإقليم من خلال استفتاء تشرف عليه الأمم المتحدة. وبعد ذلك يتم تحويل نينوى إلى إقليم وهو مشروع، يتجاوب معه الأميركيون.

أما المشروع، الذي تتبناه حكومة حيدر العبادي ومليشيات الحشد ويدعمه النظام الإيراني، فهو بقاء الوضع على ما هو عليه قبل “داعش”، وهو ما يرفضه الأكراد ويعتبرونه مستحيلاً ويراه السنة عودة إلى المشاكل السابقة التي تسببت بظهور التنظيم. ووفقاً لهذا المشروع، فإن سبب دعم النظام الإيراني والمليشيات مشروع أو رؤية العبادي هو أن المشروع نظرياً يعني سيطرة الجيش العراقي على هذه المناطق لكن عملياً هو سيطرة المليشيات التابعة للنظام الإيراني على محافظة الموصل.

إلا أنه من غير المرجح أن تحسم النتيجة لأي من تلك المشاريع بعد استعادة الموصل، لأن هذه المشاريع متناقضة في جوهرها مع مصالح ورؤى القوى السياسية العراقية فقد تجدد الخلاف على تأسيس إقليم سُني، الأمر الذي يتطلب تفاهماً سواء لاستبعاد هذا الخيار أو لإيجاد صيغة له تضمن المحافظة على وحدة العراق، وكذلك الحال بالنسبة لمطالبة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني بترتيب جديد يتيح استحداث ثلاث محافظات للأقليات في قضاء سنجار وتلعفر وسهل نينوي، وتشكيل إدارة محلية فيها تراعي التنوع السكاني، ومنحها حرية اختيار البقاء ضمن الحدود الإدارية الراهنة أو الانضمام إلى إقليم كردستان.

وليست هذه مشكلة سياسية فقط، بل عسكرية أيضاً، لأن قوات البيشمركة التابعة لحكومة كردستان سيكون لها دور مهم في معركة الموصل بعد أن أطبقت على المناطق الشمالية الشرقية والجنوبية الغربية للمدينة، وقد أظهرت معركة تحرير منطقة القيارة قرب الموصل أهمية دور البيشمركة في تقديم الدعم اللوجستي وتأمين الممرات، وسيكون هذا الدور أكثر في معركة الموصل الأكثر صعوبة، خاصة أن مواقع قوات البيشمركة أقرب وتمركزها أفضل من الجيش العراقي، فقد كانت هذه القوات في بداية سبتمبر الجاري على مسافة تتراوح بين 12 و25 كم من أطراف الموصل، في الوقت الذي كانت وحدات الجيش العراقي الأكثر قرباً منها على مسافة حوالي 50 كم، كما أن «البيشمركة» لا تثير في نفوس أهالي الموصل الخوف الذي تبثه فيهم فصائل «الحشد الشعبي».ومن المشكوك فيه أن تحقق معركة الموصل نجاحاً حاسماً بدون قيام البيشمركة بدور محوري فيها. ويصعب تصور هذا الدور بدون اتفاق سياسي واضح، ويتطلب هذا الاتفاق ثقة متبادلة ليس هناك ما يدل على توفر قدر كافٍ منها حتى الآن.

وإذا كانت حكومة إقليم كردستان تشك في نوايا حكومة بغداد المحكومة بالخط السياسي الإيراني، فثمة شكوك أيضاً لدى رئيس الوزراء حيدر العبادي وأعوانه في أهداف مسعود بارزاني من وراء فكرة محافظات الأقليات. وإذا كان فشل معركة الموصل في تحقيق نتيجة حاسمة، حال عدم مشاركة البيشمركة فيها، يُمكِّن تنظيم «داعش» من شن هجمات مضادة، فنجاحها بدون تفاهمات حول ما بعدها يخلق توتراً خطيراً قد يفتح الباب أمام مواجهة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، ويحول دون تحقيق الاستقرار المأمول في شمالي العراق، الأمر الذي قد يخلط الأوراق في المنطقة. فليس مستبعداً في هذه الحالة أن تتنامى العلاقة بين حكومة بغداد وحزب العمال الكردستاني التركي وحليفه السوري (حزب الاتحاد الديموقراطي) المناوئين لحكومة إقليم كردستان، ويعني ذلك إذا حدث وضع حكومة بغداد في مواجهة مع تركيا التي تخوض معركة ضد العمال الكردستاني، وتحتفظ بعلاقة وثيقة مع حكومة أربيل. لذلك ينبغي الانتباه إلى ضرورة التفاهم على ترتيب الأوراق قبل إطلاق معركة تحرير الموصل حتى لا تكون نتيجتها نهاية العراق الموحد، وهي التي تهدف إلى وضع نهاية لوجود «داعش» فيه.

وتجاوزا للصراع الداخلي حول مستقبل الموصل فإن للنظام الإيراني مصلحة في تحديد مصير محافظة الموصل، وقد سبق لمركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية أن تناول في سلسلة مقالات أهمية سيطرة النظام الايراني على مدينة الموصل بعد مرحلة داعش، هذه الأهمية التي أكد عليها “خليل زاده” سفير الولايات المتحدة السابق في العراق، في مقابلة صحفية له قبل عدة أيام بالقول:”  تعتبر الأحداث في الموصل مهمة، وذلك في سياق رغبة طهران في أن ترى داعش مهزوما ، وأيضا كجزء من طموحها الواسع لإضعاف الجماعات السنية المعادية. والمهم أيضا هو مستقبل منطقة تلعفر غرب الموصل. إضافة إلى كونها موطنا لشيعة التركمان، فيحتمل أن توفر  تلعفر لإيران موقعا على جانبي تقاطع المناطق الكردية العراقية والسورية، والتركية. وتسمح  السيطرة على ذلك الحي لإيران بفرض قوتها نيابة عن نظام الأسد في سوريا، ومضايقة الحكومة الإقليمية الكردية في العراق”.

فالنظام الايراني، ومليشياته في العراق، يريد أن يكون له هو الآخر حصة في الموصل بعد داعش، لأنه تدرك جيداً أهمية المدينة، فهو يسعى إلى فتح خط بري آخر يربطه بسورية وحزب الله اللبناني، لأنه يدرك جيداً أن خط الأنبار محفوف بالمخاطر، حتى لو استتب مؤقتاً لها عقب تحرير المدينة من سيطرة التنظيم. فهو أي النظام الايراني، وبحجة حماية التركمان الشيعة، سكان تلعفر، في الموصل، يدفع باتجاه تعزيز مشاركة الحشد الشعبي في تلك المعركة، وأن يكون للحشد وجود كبير في المعركة التي تعتبر لدى بعض ساسة النظام الايراني، قبل ساسة بغداد، مصيريةً في تحديد طبيعة النفوذ الإيراني في المرحلة المقبلة.

 إذ كان للنظام الإيراني دور كبير في الحرب ضد تنظيم داعش بالعراق، إذ شارك بفعالية سواء بشكل مباشر عن طريق مستشارين عسكريين، أو بالوكالة عن طريق الميليشيات الشيعية المشكّلة للحشد الشعبي، في عدّة معارك بمحافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار، وسجلّ حضور مباشر للجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني. لذا فإن الخشية عمت في داخل العراق وخارجه من البروز الكبير لميليشيات الحشد الشعبي الذي ينظر إليه من قبل المتابعين للشأن العراقي باعتباره جيش احتلال إيرانيا مقنّعا للعراق، خصوصا في ظلّ الانهيار الذي ألمّ بالقوات النظامية العراقية، مع سيطرة تنظيم داعش لمناطق شاسعة من البلاد صيف العام 2014. ومن هذه الزاوية، فسيعني إفساح المجال لميليشيات الحشد الشعبي للمشاركة بكثافة في معركة الموصل، فرصة للنظام الإيراني لتحويل نفوذها السياسي في العراق إلى سيطرة ميدانية فعلية. وعزله عربياً خصوصاً مع دول الخليج العربية في مرحلة عراق ما بعد داعش.  وفي هذا السياق يمكن أن يفهم سيطرة الارتباك على مواقف رئيس الوزراء العراقي تجاه الرهان على الحشد الشعبي في استعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش. وفيما راهن العبادي على أن تتولّى القوات العراقية مهمّة التحرير، إلا أن ضغوطا إيرانية جعلته يراجع حسابه ويدعو إلى دور أكبر للحشد. وبمشاركته أي الحشد الشعبي الحليف للنظام الايراني في معركة الموصل فهذا يعني عدم التزام حيدر العبادي بأحد شَروطَي  باراك أوباما كي تستمر إدارته في مواصلة دعمها للعراق في حربه ضد تنظيم داعش، وهذا يعني أيضا ليس هناك إرادة من قبل الحكومة العراقية للالتزام بالشرط الثاني”عدم تهميش السنة والكرد من عملية السياسية العراقية في مرحلة ما بعد داعش”.

في المقابل، لا يبدو أن تركيا ترغب في أن يجري تحرير الموصل بعيداً عنها، على الرغم من انشغالاتها الداخلية عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة، فالقوات التركية موجودة في معسكر بعشيقة القريب من الموصل، وهي القوات التي ثارت عليها ثائرة بغداد قبل أشهر، على الرغم من أن تلك القوات موجودة بالاتفاق مع بغداد وأربيل. فتركيا تعتبر محافظة الموصل جزءا من فضائها الأمني في شمالي العراق. فمن يملك اليد الطولى في الموصل يمكن أن يكون له الصوت الأعلى في العراق مستقبلاً، ناهيك عن جواره الإقليمي، وهو ما تعرفه أنقرة جيداً، وتخشى أن يكون لإيران أو الأكراد المناوئين لتركيا يد طولى في المدينة. وبالتالي، فإنها لن تترك تحرير المدينة يتم بعيداً عنها، مهما كلف الثمن. لذلك أبدت تركيا رغبتها التدخل العسكري في معركة الموصل.

فبعد نجاح الحملة العسكرية التركية “عملية درع الفرات” التي بدأت في 24آب/أغسطس الماضي في تحرير كثير من المناطق السورية المحاذية لتركيا، تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في حفل معايدة أعده “وقف تركيا للمتبرعين” بإسطنبول في 13 أيلول/سبتمبر العام الحالي، عن إمكانية تدخل بلاده عسكريا لتحرير مدينة الموصل العراقية من تنظيم “داعش”، قائلا: “الشعب السوري راض عن العمليات التي نقوم بها، ولا يشتكي أحد من هذه العمليات سوى الإرهابيين، وهذا يدل على أننا في الطريق السليم، ونعتقد أن العراق بحاجة إلى عملية مشابهة. حل مشكلة الموصل يمر من خلال الاستماع لوجهة نظرنا وحسن تقديرنا لوضع المنطقة، وأتمنى من الحكومة المركزية في العراق، ومن الدول المؤثرة في المنطقة أن ترى هذه الحقيقة، وأدعو كل من يعتقد أن تحقيق السعادة والاستقرار في العالم مرتبط بحل أزمات هذه المنطقة أن يدعم وجهة نظرنا بخصوص العراق”.

ويستند الرئيس التركي في خطابه هذا إلى ما أقرّه البرلمان التركي قبل قرابة السنتين من السماح للجيش التركي بالتدخل في سوريا والعراق بأغلبية 298 صوتا من أصل 396، حيث فوّض القوات المسلحة باستخدام القوة في سوريا والعراق، ومنحها صلاحية باتخاذ الإجراءات اللازمة في حال وجود “أخطار متعلقة بالأمن القومي التركي”، ويستند أيضا إلى قرار مماثل صدر في عام 2003 يسمح للقوات التركية بالتدخل في العراق.

ولهذا الخطاب دلالات متعددة، ويضعنا أمام تفسيرات كثيرة حول التحول اللافت في التعاطي التركي- بعد الانقلاب -مع حالة الصراع في المنطقة، والانتقال من حالة التردد إلى حالة المبادرة، فالتدخل التركي في العراق -إن حدث -ستكون له آثار كبيرة في خريطة الصراع في العراق وغيرها، وهنا تثار أسئلة حول إمكانات التدخل التركي، والتحديات التي ستقف ضده، فإما أن تكون مشاركة الأتراك هامشية ويكون دورها ثانويا، وإما أن تشارك بقوة وتقلب المعادلة على غرار “درع الفرات”.

وإذا ما كان النظام الايراني يعتمد على الحكومة العراقية في بغداد والميليشيات الشيعية ومستشاريها العسكريين التابعة لها في إدارة معركة الموصل، فإن تركيا تعتمد مقاربة ذات ثلاث أبعاد. يستند البعد الأول على دعم مباشر لإقليم كردستان برئاسة مسعود البارزاني، وبالتالي دعم البيشمركة في معركتها لاستعادة الموصل. والبعد الثاني يستند على دعم ميليشيات الحشد الوطني المكون من العشائر العربية التي يقدر عددها بحوالي 6500 مقاتل بقيادة محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي والتي يتم تدريبها في معسكر بعشيقة، وهو القاعدة العسكرية التي أنشأتها تركيا في شمال العراق بمباركة الحكومة الإقليمية الكردية وبمعارضة الحكومة العراقية المركزية في بغداد، وبتنسيق وتعاون مع الولايات المتحدة لمحاربة داعش. وكان أسامة النجيفي زعيم ائتلاف متحدون قد أبلغ المبعوث الأميركي ماكغورك “موقفه وموقف أهالي نينوى وقادة تحالف القوى العراقية، برفض مشاركة الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل”. أما البعد الثالث يقع على عاتق الحكومة التركية في تنفيذه فبحسب معلومات خاصة حصل عليها مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، فإن وحدات عسكرية من الجيش التركي سوف يشارك في معركة الموصل إذ يهدف من هذه المشاركة طرد أو القضاء على حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي الكوردستناني “فرع سوريا” والمليشيات الشيعية من مدينة سنجار التابعة لمحافظة الموصل وابقائه على مسافة قريبة من مدينة تلعفر التابعة لنفس المحافظة، إذ يسعى من هذا البقاء أن يقدم مساعدته لتركمان تلك المدينة فعلى المستوى القومي يقدم مساعدته لسنة وشيعة التركمان وعلى المستوى الطائفي يقدمها للتركمان السُنة.

وأمام هذه المشاريع الداخلية والخارجية المتناقضة  فضلاً عن التخوف الشديد من مشاركة مليشيات شيعية موالية للنظام الايراني في معركة الموصل نتساءل: كيف يمكن الذهاب لتلك المعركة في بيئة عراقية منقسمة وبيئة إقليمية متصارعة على الموصل؟ فإذا كانت معركة الموصل هي في الأساس خياراً أمريكياً فعليه أن يدرك باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن أخطار خوض معركة الموصل قبل التوصل إلى تفاهمات واضحة، وتعامل معها بطريقة من لا ينظر إلا إلى ما سيسجله التاريخ له، ربما يرتكب كارثة لا تقل فداحة عن تلك التي اقترفها سلفه جورج دبليو بوش عندما قرر غزو العراق عام 2003 بدون أن يحسب حساب اليوم التالي لإسقاط صدام حسين. وربما تؤدي معركة الموصل في هذه الحالة إلى نهاية العراق بحدوده المعروفة منذ نحو قرن من الزمن.

وحدة الدراسات العراقية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية