10 سنوات على الأزمة العالمية..كيف غيرت الأموال الرخيصة كل شيء؟

من الصعب فهم مدى تدني معدلات الفائدة وعوائد السندات الأمريكية – والتي لا تزال منخفضة – بعد عقد من انتهاء فترة الكساد العظيم.

وعاماً بعد عام، يتوقع الخبراء أن معدلات الفائدة سوف تعود للارتفاع قريباً: فقط كن مستعداً، لكن هذه التجربة أثبتت أنها تشبه مسرحية “في انتظار غودو”، بحسب رؤية تحليلة نشرتها وكالة بلومبرج الأمريكية للمحللة الاقتصادية “ليز كابو ماكورميك”.

و”في انتظار غودو” هي مسرحية تدور حول شخصيات مهمشة تنتظر شخصاً يدعى غودو ليغير حياتهم نحو الأفضل، لكنه لا يأتي في النهاية.

وفي عام 2018، وضع الرئيس التنفيذي لبنك جي.بي.مورجان تشيس “جيمي ديمون” الأمريكيين في حالة تأهب لاحتمالية زيادة معدلات الفائدة.

وتوقع ديمون أن معدل الفائدة على سندات الخزانة لآجل 10 سنوات قد يتجاوز مستوى 5 بالمائة، لكنه الآن أقل قليلاً من 2 بالمائة.

وضع غير طبيعي

وتعد معدلات الرهن العقاري لمدة ثلاثين عاماً بعيدة عن المتوسط طويل الآجل، كما أن الشركات تدفع فائدة قليلة للغاية مقابل الاقتراض، ولقد كانت هذه الأموال الرخيصة تساعد الاقتصاد.

وعلى الجانب الآخر، يحصل المودعون في البنوك على أقل من 1 بالمائة على مدخراتهم.

وأدت فترات طويلة من معدلات الفائدة المنخفضة إلى إنهاء الافتراضات طويلة الآجل حول المال، كما أعادت تشكيل جيل من المستثمرين والتجار والمدخرين وصانعي السياسات.

وحاول بنك الاحتياطي الفيدرالي دفع الولايات المتحدة إلى نظام الفائدة المرتفعة، حيث رفع معدل الفائدة 9 مرات منذ عام 2015 الذي شهد معدل فائدة على المدى القصير بالقرب من الصفر.

ولكن الآن عكس البنك المركزي الأمريكي الاتجاه، بعد أن قرر في اجتماع يوليو/تموز الماضي خفض معدل الفائدة للمرة الأولى في عقد من الزمن.

ويقول كبير الاستراتيجين العالميين في بنك جي.بي.مورجان لإدارة الأصول والذي يشرف على أصول بقيمة 1.8 تريليون دولار “ديفيد كيلي” إن هذا هو الوضع غير الطبيعي الجديد.

وتابع: عادةً في هذه المرحلة من التوسع يكون لدينا مشكلة التضخم المتسارع وقيام الفيدرالي بالتشديد النقدي على نحو مفرط لإبطاء الاقتصاد إضافة إلى أن الشركات لا تستطيع تحمل تكاليف الاقتراض، لكن أياً من هذا صحيح في الوقت الحالي.

واستشهد جيروم باول رئيس الفيدرالي بالمخاطر العالمية المتزايدة ومعدلات التضخم المنخفضة وضعف استثمار الشركات والقطاع الصناعي لتبرير خفض الفائدة في الشهر الماضي.

وتأتي معدلات الفائدة الأمريكية المنخفضة بالتزامن مع تحول البنوك المركزية الأخرى بما في ذلك المركزي الأوروبي لنهج أكثر حذراً، حتى لو كانت معدلات الفائدة في تلك الدول أقل بالفعل من الصفر.

وتقول كبير مسؤولي استثمار الدخل الثابت بشركة جوجنهايم بارتنرز “آن والش”: معدلات الفائدة قصيرة الآجل ليست منخفضة وحدها ولكن كذلك معدل الفائدة على السندات طويلة الآجل ضئيل للغاية ما يشير إلى أن المستثمرين لا يرون احتمالية لحدوث تغيير في معدلات الفائدة – والظروف الاقتصادية التي تعكسها – في أي وقت قريب. ( تنخفض عوائد السندات مع ارتفاع أسعار تلك الديون).

الرابحون والخاسرون

ولقد كان المقترضين بكافة أنواعهم مستفيدين بشكل واضح من هذا التغيير التام، حيث ضمنت العديد من الدول والشركات الاستفادة من سياق معدلات الفائدة المنخفضة لمدة تصل إلى قرن من الزمن.

وقامت كل من بلجيكا وأيرلندا ببيع سندات تستحق السداد بعد مائة عام كما فعلت أستراليا هذا العام الأمر نفسه بعائد يبلغ 1.171 بالمائة.

وفي عام 2015، باعت شركة مايكروسوفت سندات لآجل 40 عاماً كما أصدرت جامعة كاليفورنيا ديون يحل موعد سدادها بعد 100 عام.

وتسببت معدلات الفائدة المنخفضة في حماية وزارة الخزانة الأمريكية من زيادة تكاليف الفائدة على الديون الفيدرالية.

وبالنسبة للبنوك، فإن تراجع معدلات الفائدة طويلة الآجل ليس بالأمر المثالي، وذلك كونهم يفضلون تمويل استثمارات طويلة الآجل بديون قصيرة الآجل.

وبالتالي فإن البنوك تزدهر عندما تكون معدلات الفائدة طويلة الآجل أعلى بكثير من معدلات الفائدة قصيرة الآجل.

وفي الولايات المتحدة، فإن البنوك لا تزال قادرة على تحقيق أرباح، حيث حصدت أكبر خمسة مصارف أرباحاً فصلية تصل قيمتها إلى 30 مليار دولار للمرة الأولى.

ولكن حذرت بعض البنوك التجارية الكبرى من معدلات الفائدة المنخفضة كونها تضغط على التوقعات المستقبلية لتحقيق عائدات من الإقراض.

ويتعين على الأفراد الاعتياد على تحقيق عوائد زهيدة، حيث يبلغ المتوسط القومي للفائدة على حسابات التوفير 0.1 بالمائة وهو الرقم الذي لم يشهد تغييراً كبيراً منذ أربع سنوات كما أنه أقل من 0.3 بالمائة المسجل في عام 2009، بحسب البيانات المتاحة على موقع بنك ريت دوت كوم.

وفي عام 2000، قبل الأزمة المالية بكثير، كان معدل الفائدة يبلغ 1.73 بالمائة.

ويوضح كبير المحللين الاقتصاديين بموقع بنك ريت دوت كوم “مارك هامريك” أننا لم نصل أبداً إلى الوعود المتعلقة بمعدلات الفائدة المرتفعة.

وتكررت المشكلة نفسها بالنسبة للمؤسسات التي تدير المدخرات نيابة عن الآخرين، حيث خفضت صناديق المعاشات التي تشرف على تريليونات الدولارات من أموال المتقاعدين في المستقبل، توقعات العوائد.

وتحقق سندات الخزانة لآجل 30 عاماً، وهي نوع الديون المفضل، عوائد بنحو 2.5 بالمائة مقارنة مع متوسط يبلغ 6.5 بالمائة منذ سبعينيات القرن الماضي.

وحتى الارتفاع القياسي في أسعار الأسهم لم يحل معضلة العائد المنخفض بالنسبة لصناديق التقاعد، حيث أن العديد منهم قام بتقليص مخصصاته للأسهم بعد الأزمة المالية العالمية.

وكان كبير مسؤولي الاستثمار في نظام التقاعد الخاص بالموظفين الحكوميين في كاليفورنيا “بن منغ” ذكر في شهر يونيو/حزيران الماضي أن العائد المتوقع للمحفظة الاستثمارية الخاصة بصناديق المعاشات التقاعدية على مدى العشر سنوات المقبلة قد تكون 6.1 بالمائة أيّ أقل من الهدف السابق والبالغ 7 بالمائة.

ومعدلات الفائدة المنخفضة لن يظهر ضررها في العوائد الحالية ولكن في المكاسب المستقبلية التي يمكن أن يتوقعها المستثمرين بشكل منطقي.

وتحدد معدلات الفائدة نوعاً من أساس العائد على كافة الأصول.

ومع تراجع معدلات الفائدة، فإن أسعار السندات ترتفع كما تصعد الأسهم في الغالب، لكن بمجرد استقرار معدلات الفائدة عند أو بالقرب من المستويات المتدنية، فإنه يكون هناك مجالاً أقل لهذا النوع من ارتفاع الأسعار.

كل هذا دفع المستثمرين للبحث عن عوائد أكثر حتى إذا كان ذلك يعني مخاطرة أكبر، ولكن الخوف يكمن في أن هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى تشكيل الفقاعات وزعزعة استقرار النظام المالي في نهاية المطاف.

وترى والش من غوغنهايم أن المؤسسات الاستثمارية متغللة في عملية البحث عن العوائد، موضحة أن هذا الأمر ينطبق بشكل خاص على المؤسسات الكبرى مثل البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد.

وتابعت: هذه الشركات تبحث عن العوائد ويحتمل أن تتحمل مخاطر غير مقصودة.

وفي حين يعبر مسؤولي الفيدرالي عن أمانيهم بشأن العودة لمعدلات فائدة طبيعية أكثر حتى يكون لديهم مساحة أكبر للتيسير النقدي مرة أخرى في المستقبل إذا احتاجوا محاربة اتجاه هبوطي أو أزمة مالية جديدة، لكن يبدو أنهم مقيدون.

ومقارنة بجميع المشاكل التي قد تسببها معدلات الفائدة المنخفضة، فإن صانعي السياسات يعتبرونها بمثابة خطوة تحفيزية للنمو الاقتصادي.

وعلى الرغم من أن معدلات البطالة منخفضة للغاية إلا أن الاقتصاد استغرق فترة طويلة بشكل مؤلم كي يتمكن من التعافي من الأزمة المالية.

وفي الوقت الحالي، يُشكل التباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي والرياح العكسية من الحرب التجارية التي أثارها الرئيس دونالد ترامب مخاطر قوية للغاية على الاقتصاد الأمريكي بحيث لا يمكن تجاهلها.

ولقد دفع ذلك البعض للتساؤل عما إذا كنا نفكر في الاقتصاد بشكل خاطىء تماماً.

ويقول كبير مسؤولي الاستثمار في “بنك يو.بي.إس” لإدارة الأصول العالمية “مارك هيفيل” إن وجهات النظر التقليدية بشأن السياسة النقدية والنظرية النقدية يتم التشكيك فيها، في إشارة إلى فكرة أن البنوك المركزية دائماً تمتلك القدرة على دفع الاقتصاد أو كبحه عند الحاجة.

وأوضح أن هذا الأمر أدى إلى نطاق واسع من النظريات البديلة بما في ذلك النظرية النقدية الحديثة وكيفية إعادة تحفيز النمو الاقتصادي.

وطبقاً للنظرية النقدية الحديثة، عل سبيل المثال، يجب أن يكون صانعو السياسة الحكوميون قادرون على إدارة عجز أكبر على الأقل حتى تحدث طفرة في الطلب تؤدي لتسارع التضخم.

ولقد جعل الانخفاض طويل المدى في معدلات الفائدة من السهل حتى الآن تحقيق أرباحاً من خلال استثمارات بسيطة مثل صناديق الأسهم والسندات.

وفي الوقت نفسه، كانت تكاليف التمويل الرخيصة وقيمة الأصول المرتفعة بمثابة هدية لشركات الأسهم الخاصة، حيث تلقت من المستثمرون حوالي 4 تريليونات دولار في العقد الماضي، بحسب بيانات من شركة الأبحاث “بريكين”.

وفي عام 2009، توقعت شركة السندات “باسيفيك إنفيستمنت مانجمنت” كل ذلك، عندما أعلنت رؤيتها المستقبلية الاستثمارية لعدة سنوات قادمة “الوضع الطبيعي الجديد” وتوقعوا عوائد منخفضة للسندات طويلة الآجل.

وشاهدت كذلك نفس المشاكل التي يواجهها رئيس الفيدرالي ومحافظو البنوك المركزية حول العالم في الوقت الحالي: تباطؤ النمو الاقتصادي ومزيج من الابتكار التكنولوجي والعمالة العالمية منخفضة التكلفة التي تخفف من الضغوط التضخمية ووفرة من المدخرات مع تقدم أعمار سكان الدول الغنية.

وبالنظر إلى المستقبل، وفي ظل بقاء العديد من العوامل منذ عام 2009، يقول كبير مسؤولي الاستثمار في مجموعة بيمكو “دان إيفاسين”: التحديات الجديدة تكمن في المخاوف المتعلقة بالتجارة العالمية والدول التي تهتم أكثر بأوضاعها الداخلية فقط.

ويضيف: العوائد يمكن بكل تأكيد أن تشهد انخفاضاَ كبيراً.

Related Posts