“هوس الرقص حتى الموت”.. ظاهرة غريبة أودت بحياة 350 مليون شخص

في العصور الوسطى وقبل أن يصطدم العالم بهوس “البيتلمانيا”، وهو فريق “البيتلز” أو ما يعرف بفريق “الخنافس الأربعة” الذي صعد مطلع الستينيات من القرن الماضي، انتشرت ظاهرة غريبة عرفت باسم “هوس الرقص” وهي ظاهرة اجتماعية أودت بحياة العديد من الأشخاص في أوروبا، حيث كان المهووس من هؤلاء يرقص حتى الموت!

وطبقًا للوثائق المؤرخة، تباينت الأعراض لهذا الهوس الغريب، ولكن كان هناك ثابت واحد وهو أن هؤلاء “المصابين” ينتقلون في مجموعات ويؤدون شيئًا مشابهًا للرقص، وفي بعض الأحيان قد يستمر الأمر إلى عدة أيام أو أسابيع وفي بعض الحالات شهورًا، وقد يموتون أحيانًا من الإرهاق أو الجوع.

“هوس الرقص” في شهادات تاريخية

في عام 1237 في إرفورت بألمانيا، ظهرت على مجموعة من الأطفال علامات هوس الرقص، حيث سافروا على بعد 13 ميلا إلى مدينة أرنستاد القريبة، وهم يرقصون ويقفزون طوال رحلتهم وبمجرد وصولهم، سقطوا على الأرض نتيجة للإرهاق، ويقال إن معظم الأطفال ماتوا بعد فترة وجيزة، وأن الذين نجوا سقطوا في حالة مرض عقلي دائم مصحوب بتشنجات.

في أخبار أخرى من العصور الوسطى، تم اكتشاف سفينة في ميناء هولندي، كان وراءها قصة شعبية عن رجل ذي قوى خارقة للطبيعة قاد مجموعة من الأطفال إلى وفاتهم، كعمل انتقامي ضد سكان المدن الذين رفضوا أن يدفعوا له مقابل خدماته في القضاء على الفئران في أوقات الطاعون.

وفي واحدة من أكبر حالات تفشي مرض “هوس الرقص” الغامض والتي حدثت في آخن بألمانيا في عام 1374، رقص عدة آلاف من الأشخاص المصابين في نوبات استمرت طوال أسابيع.

“هوس الرقص والموت الأسود”

كتب “غوستوس فريدريش كارل هيكر” وهو طبيب وأحد مواطني إرفورت كتابًا نشره عام 1888، بعنوان “الموت الأسود وهوس الرقص” جمع فيه العديد من الروايات وربط هذه الظاهرة القاتلة بالعواقب الرهيبة للطاعون الذي وصل إلى ذروته في أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر.

في هذا الكتاب وصف “هيكر” هوس الرقص بأنه رد فعل على سنوات الموت الأسود (الطاعون)، حيث كان يعتقد أن المصاعب الناجمة عن المرض تتجلى في شكل جنون جماعي لدى الناجين، وربما كان صائبًا في اعتقاده بأن الوباء الذي قضى على ثلث سكان العالم ترك أثرًا مدمرًا على النفس البشرية.

وقال “هيكر في كتابه :”لقد شكلوا دوائر جنبًا إلى جنب، ويبدو أنهم فقدوا كل السيطرة على حواسهم، واستمروا في الرقص، بغض النظر عن المارة لساعات معًا، حتى سقطوا على الأرض في حالة استنفاد”.

هوس الرقص: مرض أم زندقة!

انقسمت الآراء حول “هوس الرقص”، فهناك من قال إن هؤلاء تحت تأثير الشياطين، أو ملعونين بشكل أو بآخر، وهناك من فسر الأمر بأنهم فرقة من الزنادقة، الذين وجدوا من خلال ستار الجنون ثغرة لممارسة طقوسهم دون انزعاج.

بصرف النظر عن التفسيرات، فإن الأمر انتقل سريعا من “آخن” بألمانيا وامتد إلى أوتريخت في هولندا ولييغ في بلجيكا، وحتى فرنسا، وكان عدد القتلى في تزايد كبير، فكان الراقصون يتساقطون مثل الذباب، إثر السكتات الدماغية والنوبات القلبية.

ومن هنا جاءت فكرة التجمع في أماكن مغلقة للحد من انتشار الظاهرة، فبدا الأمر وكأنه حفل موسيقي صاخب، وبالرغم من انتشار الظاهرة فشل جميع الأطباء في تقديم سبب علمي للأمر؛ ولكن كان هناك تفسيرات أخرى.

تفسيرات علمية لهوس الرقص

واحدة من أبرز النظريات تدعي أن السبب الرئيسي وراء هذا الهوس كان التسمم من الفطريات المعروفة بإصابة الجاودار والحبوب الأخرى، وهي حالة تسمى “ergotism”، وهي تشمل أعراضا مثل الهلوسة والتشنجات والهذيان والذهان والإحساس المؤلم بالحرقة في الأطراف والصداع، ويمكن أن تسبب أضرارًا للجهاز العصبي المركزي.

يقترح البعض الآخر أن الأعراض كانت مماثلة لالتهاب الدماغ والصرع والتيفوس، ولكن لا يمكن لأي من هذه التفسيرات الإجابة عن جميع الأعراض المعروضة في التقارير، أما في إيطاليا، نسبت ظواهر اجتماعية مماثلة تسمى “الرتيلاء” إلى لدغات العنكبوت.

على الرغم من أن المصادر نادرة وغير موثوق بها، إلا أن الجميع يتفق على أن هذه الظاهرة لم تكن خيالًا، وتسببت في مقتل أكثر من 350 مليون شخص في جميع أنحاء العالم.

Related Posts