العراق وغياب الجدوى والتخطيط

العراق وغياب الجدوى والتخطيط

اقرت الموازنة العامة للبلاد، وتنفس الكثير من العراقيين الصعداء، على امل ان تتحقق مصالهم من خلالها، وهي مصالح بسيطة في الدول الاخرى، لكنها صعبة للغاية في بلادنا، فهي لا تتجاوز السعي للحصول على فرصة عمل بمرتب منخفض، او ان يتم اعمار ما دمرته الحرب، او على الاقل ان يجنب اقرار الموازنة البلاد والعباد شر التنازع والاقتتال الذي غالبا ما يترافق معها في كل عام .
الا ان تمكن القوى السياسية من تجاوز عقدة الموازنة، ومن خلال تجارب الاعوام السابقة، يثبت للجميع ان هذا الفعل لا يعد كافيا، فمرحلة ما بعد الاقرار هي اصعب من التي سبقتها . فهذه الاموال الضخمة اذا لم تجد من يتابع صرفها، ويضعها في مكانها الصحيح فلن تجدي نفعا، ولن يكون لها انعكاسات ايجابية على الواقع، ففي الدول المتقدمة او حتى الاكثر استقرارا من العراق، يتم البحث في جدوى الصرف وفوائده الحقيقية، وهذا يتم عبر التخطيط والمتابعة الدقيقة . العراق يستطيع ان يفعل الشيء نفسه، عبر مجموعة من الاليات، من الممكن ان نذكر البعض منها ، وكما يأتي :
1 – تشكيل جهاز اداري وفني وعلمي لدراسة الجدوى : الاصل في صرف الاموال من قبل الدول، هو ان تأتي بأموال اكثر منها او على الاقل ان يتم استرجاعها، وهذا يتم عبر انشاء المشاريع الاستثمارية الضخمة، التي تمتص البطالة من جهة وتوفر للبلاد العملات الصعبة من جهة اخرى . هذه العملية لم تكن موجودة في العراق، وفي سبيل تحقيقها لابد من انشاء جهاز يتولى وضع احتمالات وتوقعات الجدوى والفائدة من الصرف، واجراء التعديلات اللازمة عليها ، كي تصب في صالح الاستثمار .
2 – دراسة الاسباب التي اضاعت الموازنات السابقة : لم تكن الدولة موفقة في صرف الموازنات السابقة، اذ بقيت المشاكل العامة على حالها، ولم يحل اي منها. على هذا الاساس ينبغي اجراء دراسة شاملة للأسباب التي ادت الى هذه النتيجة، ومحاولة تجنيب الموازنة الحالية المصير نفسه . وبدون هذا الاجراء سوف يتكرر الامر نفسه .
3 – التفكير في امكانية التعاقد مع شركات عالمية : العالم قد بلغ درجات عالية ومتقدمة جدا في موضوعة الاستثمار، وتوظيف الاموال لتلبية طموحات الشعوب، عبر الاستثمار. الدولار يأتي بمثله او اكثر منه . وهي اشبه بعملية اقراض الموازنة للشعب ومن ثم استرجاعها منه وفيها ارباح كبيرة، من خلال فتح المشاريع الاستثمارية الكبيرة. اما ان تصرف الاموال دون ان يكون فيها وجه للربح او التوجيه الاقتصادي الصحيح، فهذا يعتبر خلل كبير في العقلية السياسية والاقتصادية التي تقود البلاد .
اذن ، ان عملية متابعة الصرف و وضع الاموال العامة في المكان المناسب هي اهم من اقرار الموازنة.

د. سعدي الابراهيم

“المشرق”