بريطانيا.. والوعد المشؤوم

رفضت بريطانيا الاعتذار عن وعد بلفور الذي منحت حكومتها بموجبه وعداً لليهود بإنشاء وطن قومي لهم، فصاحب «الوعد» آرثر جيمس بلفور، كان أعطى موافقة حكومة بلاده لإقامة هذا الوطن المزعوم في الثاني من شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1917، أي أثناء وضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، وهذا الوطن لم يكن إلا فلسطين التي تحولت فيما بعد إلى أرض مستباحة من قبل اليهود، وحلفائهم.
كان عدد اليهود في فلسطين حين صدور الوعد لا يزيد على 5% من مجموع عدد السكان، غير أن التطورات اللاحقة أغرقت الأراضي المحتلة باليهود، تم استيرادهم من مختلف أقطار الدنيا، في مسعى حثيث من قبل البريطانيين، ومعهم دول أوروبية أخرى، إضافة إلى الولايات المتحدة، لزرع كيان جديد في قلب الوطن العربي.

ركزت بريطانيا بحكم احتلالها لعدد من الدول العربية قبل، وبعد الحرب العالمية الأولى، على ترحيل اليهود من الدول العربية والأوروبية، حيث شكلت عمليات الترحيل والتهجير تلك اللبنة الأولى لإقامة الكيان الصهيوني، وأطلق عليه لاحقاً اسم «إسرائيل»، وأجبر الاستعمار بكل جنسياته، الجاليات اليهودية بوسائل شتى على الهجرة إلى فلسطين، وهاجر الآلاف من اليهود إلى فلسطين قادمين من المغرب، ومصر، والعراق، واليمن، والأخيرة شهدت ما عرف بعملية «بساط الريح»، حيث تم إحراق منازل اليهود في مدينة عدن لإجبارهم على الرحيل، والهدف كان معروفاً، وهو «تسمين» الكيان الجديد، وقد استمرت عملية تهجير اليهود من اليمن وغيرها، إلى وقت قريب، حيث لم تيأس المؤسسات الصهيونية، ومعها الأمريكية والبريطانية، من أعمال الترهيب، والترغيب التي مارستها لجلب اليهود من الدول العربية وترحيلهم إلى فلسطين.
وما فعله البريطانيون مع اليهود العرب، فعلته دول أخرى في أوروبا، بخاصة الشرقية منها، وإفريقيا، حيث تمكن اليهود من حشد عشرات الآلاف من جالياتهم في مختلف دول العالم في فترة زمنية قصيرة، وإرسالهم إلى فلسطين، ولعل «يهود الفلاشا»، القادمين من إثيوبيا يعد تجسيداً صارخاً لهذه الهجرات.

وبعد مرور 100 عام على «الوعد المشؤوم»، الذي أصدرته عن سبق إصرار، ترفض بريطانيا الاعتذار عما ألحقته من سلوك عدواني، ولا أخلاقي ارتكبته ضد شعب أعزل، حيث أدى هذا الوعد إلى بروز هذه المأساة التي نعيشها اليوم من خلال التوسع في عمليات الاستيطان التي تجري على قدم وساق منذ ذلك الوقت، وحتى اليوم، إضافة إلى القمع والتنكيل الذي يمارس ضد الفلسطينيين بشكل يومي.
بريطانيا تعتبر القرار «جزءاً من التاريخ»، لكنها تدرك أيضاً أن هذا القرار غيّر ملامح منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وشرد شعباً من أرضه، وما نعيشه اليوم من أزمات واحتقانات هي تداعيات لهذا الوعد المشؤوم الذي جاء من قبل من لا يملك، لمن لا يستحق.
بريطانيا جمّلت صورتها أمام اليهود بمنحهم وطناً لا يستحقونه، وترغب في رسم خريطة جديدة في الشرق الأوسط، استكمالاً للمؤامرة الكبرى، وهو ما نعيشه اليوم واقعاً ملموساً، حيث الخراب والدمار يعمّان المنطقة بأكملها.

نقلاً عن “الخليج”

Related Posts