صناعة الفوضى

صناعة الفوضى

محمد عبعوب*

طبول الحرب تقرع هذه الايام من واشنطن الى لندن وباريس والى الرياض وبغداد. صداها يصل حتى استراليا في اقصى جنوب الكرة الارضية. كل هذا الضجيج من اجل تنظيم مختلق يدعى “داعش”! تنظيم القاعدة. شباب الاسلام. أنصار الشريعة. بوكو حرام. داعش. والحبل على الجرار.

كلها تدخل ضمن مشاريع وكالة المخابرات المركزية الامريكية لإغراق المنطقة العربية الغنية بالموارد ومحيطها بأزمات وحروب تبقيها رهينة للتخلف وتعيق اي أمل لشعوبها في اللحاق بركب التقدم والحضارة الانسانية، لتبقى كسوق لاستهلاك ما تنتجه ترسانات الدمار الغربية، وكذلك ما تنتجه المؤسسات الصناعية في مختلف المجالات الغذائية والدوائية وغيرها من مستلزمات الحياة، إضافة الى شيطنة الاسلام والحضارة الاسلامية في وعي الانسان الغربي والعالم بأسره.

لا اعتقد ان أي انسان متابع للمشهد الدامي في منطقة الشرق الاوسط يشك في أن ظاهرة ما يعرف بداعش هي صناعة أمريكية بامتياز ساهمت الآلة الاعلامية الغربية الجبارة، التي تسيطر على صناعة الرأي العام العالمي، في تضخيمها وتسويقها كخطر داهم يهدد واشنطن وتل الربيع واوروبا، بعد ان استنفد تنظيم القاعدة كتنظيم ارهابي مفعوله كمنبر لحشد الرأي العام الغربي والعالمي ضد أي مشروع نهضوي حقيقي عربي او إسلامي. ذلك أن تنظيم داعش وبهذا التضخيم والضخ الاعلامي حوله وصور تلك الطوابير من الآليات المدججة بالسلاح تعلوها تلك الراية السوداء المؤدلجة، هذه المشاهد البائسة والقوة الطارئة التي مكنت داعش من اجتياح نصف العراق واجتياح الساحة السورية ليجابه النظام والتنظيمات المناهضة له في نفس الوقت ويهدد الاردن، هكذا تنظيم لا يمكن أن ينمو ويتطور ويحقق هذه المكاسب بهذه السرعة وفي وقت قياسي لو لم تكن وراءه مؤسسة عالمية بحجم وكالة المخابرات المركزية الامريكية التي تمده بالمعلومات الدقيقة، وتعززه بالخبراء لتجنيد الانصار لإلحاق الهزيمة بجيوش نظامية مسلحة، وتسخر له وسائل الاعلام الغربية لتسوقه عبر العالم وتروج له بين الشباب المسلمين -المحبطين من واقع بلدانهم المزري والمتطلعين لاستعادة كرامتهم – لاستقطابهم والانضمام الى كتائبه، ومن ثم تجنيد العالم “الحر” وأدواته من مشيخات الزيت وحكومات هزيلة في المنطقة لشن حرب ساحقة تفكك هذا التنظيم وتبيد المنتمين له، وذلك بعد الحرب الاعلامية التي تربط هذا التنظيم بالإسلام كدين راع للإرهاب ومعاد للإنسانية، وبهذا يتحقق لامريكا وحلفائها حزمة من الاهداف، اولها الابقاء على المنطقة رهينة للتخلف والاضطراب، وثانيا القضاء على النخبة من شباب المنطقة التي يمكن ان تشكل -اذا ما تمت رعايتها وتوجيهها توجيها صحيحا – قوة فاعلة تنجز استقلالا فعليا للمنطقة عن الهيمنة الغربية وتخلق قوة منافسة مجاورة لأوروبا تحرمها من سوق مهم تنفرد بإدارته، وثالثا توجه من خلال هذا المشروع اقوى ضربة للإسلام كدين وثقافة، وذلك بشيطنته وترسيخ صورة مرعبة عنه في وعي الانسان الغربي والعالمي بصورة عامة، وما جرى للازيديين والمسيحيين في العراق على يد هذا التنظيم والذي استثمره الاعلام الغربي ايما استثمار، يشكل جزءا من المشاهد التي تسيء للإسلام وتشوه صورته في وعي الانسان حيثما كان، وهو هدف تجمع عليه الدول الغربية وتعمل بكل جهدها وأدواتها لتحقيقه.

هذا التنظيم وغيره من التنظيمات المتدثرة بالاسلام السياسي، كتنظيم القاعدة وشباب الاسلام وبوكو حرام وغيرها من التنظيمات الارهابية التي وضعت مشاريع تأسيسها في مطابخ السي آي أي، ومولتها مشيخات النفط في الخليج عبر العقود الماضية وحتى اليوم ما هي إلا مشاريع لصناعة الأزمات تندمج فيها القوى الغربية و”اسرائيل” ويتم تضخيمها بشكل مذهل وفي وقت قياسي من خلال الاعلام لتتجاوز حدود المنطقة وتصل تهديداتها الاسطورية الى استراليا القابعة في خاصرة العالم الجنوبي، فضلا عن امريكا واوروبا، لتجدد حالة الفوضى والركود والتخلف في المنطقة وتبقينا رهينة للتخلف والاقتتال العبثي كما نراه اليوم مشتعلا في كل ركن من هذه المنطقة.