“الهلال الشيعي”.. العراق وايران وسوريا

“الهلال الشيعي”.. العراق وايران وسوريا

الكلام عن الخلافات السنية/الشيعية، و”الهلال الشيعي” و”التمددات الاقليمية” قد تكون مظاهرها بارزة، لكنها مجرد عناوين للتدافعات والصراعات الاهم والاعمق، وهي اختلال توازن المنظومات الوطنية/الاقليمية نتيجة الحربين العالميتين برعاية القوى العظمى وتأسيس دولة “اسرائيل”. والخطر كل الخطر الخلط بين فهم التداعيات بعمقها والعوامل الاساسية المركبة لها.. وبين خلطها بمظاهرها وشعاراتها وعناوين التعبئة والتهييج فيها.. مما يولد فهماً وصوراً مقلوبة ومشوهة، بالضد من الجميع. اعيد ما كتبته لمجلة “النور” اللندنية بعنوان “العلاقات العراقية/الايرانية/السورية”، في 20/3/2001، في وقت كان ضغط المنطقة لقيام المحور الثلاثي قبال المحاور الاخرى، ولم يتم الكلام –حينها- عن العناوين اعلاه. ساتحدد بما يتعلق بالعراق، وساكتفي بالمقدمة والخاتمة لطول المقالة:
المقدمة: [“سألني الصديق العزيز رئيس التحرير السيد عبد الحسن الامين، هل اتوقع قيام محور عراقي/سوري/ايراني؟ جوابي.. لا اتوقع ذلك على الصعيد السياسي، وهو حقيقة قائمة على الصعيد العملي. فما الذي يمنع قيامه على الصعيد السياسي؟ فالبلدان الثلاثة لها مواقف متقاربة مما يسمى بمسألة الشرق الاوسط.. ولها مواقف متقاربة من اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية.. ولها مصالح اقتصادية وتجارية وثقافية كبيرة.”] الخاتمة: [“ان المحور العراقي/الايراني/السوري حقيقة عملية، لكن اوضاع السلطة العراقية وتوهماتها ستمنع تحوله الى واقع سياسي فعلي.. وان الشك في سياسات القيادة العراقية وعدم استعدادها التخلي عن سياساتها السابقة والاعتراف باخطائها، واستغلال مأساة الشعب العراقي… لاعادة تأهيل نفسها… سيُبقي ذلك الحذر لدى الجميع. وسيعطل تفعيل دور العراق لبناء جبهة وقاعدة واساس لعودة التضامن والوحدة الى سياسات دول المنطقة، ولالتحام شعوبها مع حكوماتها ودولها في مسيرة تاريخية تعيد القوة والحرية والاستقلال… ان السياسية الخارجية العراقية لن تبرهن على مصداقيتها وتستعيد فاعليتها، الا عندما تنجح في اعادة صياغة سياستها الداخلية لتتصالح اولا مع شعبها، قبل ان تفتش عن تصالحات وتحالفات مع محيطها وخارجها. فالتغيير السياسي في العراق هو مفتاح حل مسألة العراق. ومشاكل العراق الخارجية التي صنعها لنفسه او صنعها لجيرانه اختمرت وانطلقت اساساً من اوضاعه الداخلية. وان عملية التأهيل واعادة تطبيع اوضاع العراق الخارجية لن يصبح ممكناً.. الا بعودة الاوضاع الطبيعية الى العراق داخلياً. فالسلوك لا يمكن تجزئته. فانت لا تستطيع ان تكون مستبداً في الداخل ومصلحاً وعادلاً ومتعاوناً في الخارج..
فالمنطقة شهدت ارقى مراحلها عندما تشكلت في داخلها دوائر تعاون وتواصل وامتداد.. وهبطت لادنى اوضاعها عندما سادت فيها نظرات الخصومة والتشرذم. لقد أُسست الدولة الاموية من بلاد الشام، وانطلقت الدعوة العباسية من خرسان. وكانت بغداد وبلاد الرافدين دائماً اما مركزاً للخلافة او قاعدة في قلب مشروع المنطقة. هذا التاريخ لم تصنعه الاوهام والترهات والامزجة، ولا الاطماع والمغامرات والنزعات الاستعمارية اساساً. بل صنعته اولا وقبل كل شيء الضرورات والحقائق والمصالح المتدافعة التي لا بد عبر مراحل الخلاف، والاتفاق على حد سواء من ان تصوغ في النهاية التشكيلات التي حملت مطامح شعوب وقوى هذه البلاد. وان من سار على نهج المستشرقين والمستعمرين او غيرهم لزرع بذور الفتنة او زرع النزعات المتطرفة… سيصطدم بقوة بمنطق الوحدة النهائية لمصالح المنطقة… والكلام عن محور هو استخدام مجازي يساير استخدامات وسائل الاعلام دون ان يوافق عليه، اذ يجب نبذ المحاور… واذا كان هناك معنى ايجابي للمحور فهو الذي يؤسس على اكتافه مشروع يجمع قوى ومحاور واطراف المنطقة بكل مركباتها… ولعل اهم سياسة هي تطويق السياسات الحمقاء والمغرورة والمستبدة وازالتها ونبذها، واطلاق حرية و مبادرة الشعوب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ورفع كل ما يمكن رفعه من حواجز وحدود… فذلك هو الضمان الاول والاخير للخروج من هذه الاوضاع والدخول في اوضاع جديدة توفر الامن والعزة والقوة والتقدم للمواطنين والحكومات والبلاد والاوطان على حد سواء.”] وخلال 17 عاماً، انقلبت الامور بعد سنوات، بدأ الكلام عن “هلال” و”تمدد” وصراعات مذهبية يراد تحويلها الى صراعات اساسية، بينما جوهر المشكلة، والمشاكل كانت وستبقى علاقة الدول بشعوبها، وعلاقة الدول ببعضها، وعلاقة المنظومة الاقليمية بـ”اسرائيل” والنظام العالمي.
عادل عبد المهدي