الرئيسية » اراء و أفكـار » تركة أوباما في الشرق الأوسط

تركة أوباما في الشرق الأوسط

بقلم : محمد السماك

 بدأ الرئيس باراك أوباما يعدّ أيامه الأخيرة في البيت الأبيض.. فبعد ثمانية أعوام قضاها متربعاً على كرسي أقوى رجل دولة في العالم، يلاحقه الآن سؤال كبير: أين أخطأ في الشرق الأوسط؟ ورث أوباما الرئاسة عن سلفه الرئيس جورج بوش الذي صعقته العملية الإرهابية التي ضربت نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001.. يومها أعلن بوش الحرب على القاعدة.. ولكنه في ذلك الإعلان أشار إلى الإرهاب والإرهابيين 18 مرة.. وفي يناير 2002، وجه خطاباً إلى الأمة الأميركية، فأضاف إلى القاعدة، كلاً من حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي.. وكذلك العراق وإيران وكوريا الشمالية.. وذكر كلمة الإرهاب في الخطاب 34 مرة.
كان بوش يستسهل شن الحرب، خاصة بعد الاعتداء الذي تعرضت له الولايات المتحدة.. وقد شجعه على ذلك الحروب السهلة التي خاضتها بلاده في بنما 1989، وفي الخليج العربي 1991، وفي البوسنة 1995، وفي كوسوفا 1999.. وبالفعل جاء اجتياح أفغانستان 2003 ليؤكد استمرار نظرية الحرب السهلة.. وهو ما شجعه تحت تأثير المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل إلى اتخاذ قراره بالحرب على العراق.. فكانت حرب اختيار ولم تكن حرب ضرورة؛ غير أن النتائج هنا كانت مختلفة فقط.. أدى ارتفاع كلفة الحرب بشرياً ومادياً.. وكذلك الفشل في تحقيق أهدافها.. إلى فشل اقتصادي تمثل بانفجار الأزمة المالية. وإلى فشل سياسي تمثل في انهيار شعبية بوش والحزب الجمهوري الذي يتزعمه، حتى بادر الأميركيون ولأول مرة في تاريخهم إلى انتخاب رئيس من أصول إفريقية لمجرد أنه تعهد بسحب القوات الأميركية من العراق، وعدم زج الولايات المتحدة في حروب جديدة.
يتمثل هذا التعهد في خطاب ألقاه أوباما في القاعدة العسكرية الأميركية الكبرى في وست بوينت قال فيه إنه لن يضع أمامه «أهدافاً تتجاوز المسؤوليات أو الإمكانات، أو المصالح الأميركية».. وهو عكس ما فعله بوش من قبل.
ومن هنا انطلق أوباما في مقارباته لقضايا الشرق الأوسط.. من السذاجة التساؤل عما إذا كان قد نجح في ذلك. فالسياسة التي قامت على مبدأ «فضيلة الضرورة» أدت إلى إعادة النظر في أسس السياسة الأميركية في المنطقة ليس فقط من حيث الالتزامات، بل من حيث المبادرات أيضاً.. وكان المنطلق هو الموقف من إيران.
بالنسبة إلى الرئيس بوش فإن إيران مارست الإرهاب وشجعت عليه حتى قبل أن تولد القاعدة.. ولذلك رفض أي محاولة لتطبيع العلاقات معها.. صحيح أنه لم يعلن عليها الحرب، كما فعل مع العراق، ولكنه وضعها على رأس لائحة الأعداء في الحرب الباردة، فكان التهديد العسكري المستمر، وكانت المقاطعة والحظر، وكانت سياسة تشويه الصورة في العالم.
طوى أوباما هذا الملف انطلاقاً من اعتقاده أن الحرب الساخنة ضد القاعدة تتناقض مع الحرب الباردة ضد طهران.. إضافة إلى ذلك وجد أوباما أمرين آخرين: الأول: هو أن غلاة علماء الشيعة في إيران هم ضد القاعدة.. وأن الإرهاب الإيراني ليس موجهاً ضد الولايات المتحدة مباشرة، كما فعلت القاعدة.
حتى الرئيس الأسبق رونالد ريغان الذي يعتبر المثل الأعلى لدى الحزب الجمهوري، لم يتمكن من احتواء الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف بالقوة ولا بالتهديد بالقوة، ولكنه قدم له إغراءات شجعته حتى وصل إلى حالة الاستسلام.
وعلى خطى الرئيس ريغان تلك، مشى الرئيس أوباما (الديمقراطي) باتجاه إيران.. فطوى صفحة التهديدات باستخدام القوة وقدم إغراءات لها من خلال معالجة الملف النووي ورفع الحظر المفروض عليها وإعادة الأموال الإيرانية المصادرة؛ وأذاب بالتالي جليد الحرب الباردة معها..
غير أن أوباما فشل حيث نجح ريغان.. فالرئيس السوفياتي السابق دفع ثمن الإغراءات التي قدمت إليه، رفع يد الكرملين عن أوروبا الشرقية.. أما إيران فقد ازدادت توغلاً في سوريا وفتحت جبهة جديدة في اليمن.
وجد أوباما أن الانفتاح على إيران الإسلامية يمكن أن يحولها إلى حليف ضد الإسلام الآخر المتطرف في المنطقة.. أما الخطوة التالية في حساباته فهي نقل المواجهة مع بلاده– الولايات المتحدة– إلى مواجهة بين خصومها في الشرق الأوسط: إيران والعرب، أي المسلمين السنة والمسلمين الشيعة.. لم تنجح عملية الاستعداء الروسية– الصينية التي تصورها نيكسون، ولكن عملية الاستعداء الإسلامية– الإسلامية التي أطلقها أوباما بدأت تعطي ثمارها المرّة.. مع ذلك فإن 64 بالمائة من أنصار الحزب الجمهوري الأميركي، كما تؤكد استطلاعات الرأي يعتقدون حتى اليوم أن الرئيس أوباما مسلم يكتم إسلامه!
إذا أدرك الإيرانيون والعرب مبكراً أبعاد هذه الحقيقة، فإنهم قادرون على إفشالها قبل أن يتحولوا إلى ضحايا يدمر بعضهم بعضاً وهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعاً.
نقلا عن “الوطن القطرية”